وأما التبذير: فهو بعيد - لأن التبذير إن كان بمالها فمنعها ممكن، وإن كان من مال الزوج فكذلك، ولا يوجب أمره بطلاقها على أنه لم يتعارف في اللغة أن يقال: فلان لا يرد يد لامس كناية عن الجود؛ فالأقرب المراد: أنها سهلة الأخلاق، ليس فيها نفور وحشمة عن الأجانب، لا أنها تأتي الفاحشة، وكثير من النساء والرجال بهذه المثابة مع البعد من الفاحشة، ولو أراد به أنها لا تمنع نفسها عن الوقاع من الأجانب لكان قاذفًا لها -
وعلى هذا فلا تعارض بين الآية والحديث؛ فالآية ظاهرة الدلالة؛ والحديث لا يأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - الرجل أن يكون ديوثًا، وليس التبذير، وإنما ذلك يعني الجود والكرم، لا الفحشاء هذا على صحة الحديث، أما علي ضعفه فلا تعارض أيضًا؛ لعدم صلاحيته للموضوع - وأن الزاني لا يزني إلا بزانية والعكس صحيح - ولما قاله ابن عاشور -
ثانيًا: مسلك النسخ: أنها منسوخة بالآية التي بعدها ، وهي قوله تعالى:
{وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ ِوَإِمَائِكُمْ} [النور: 32] -
قال ابن العربي:"إن هذا ليس بنسخ، وإنما هو تخصيص عام وبيان لمحتمل كما تقتضيه الألفاظ وتوجيه لأصول، من فسر النكاح بالوطء أو العقد، وتركيب المعنى عليه - والله أعلم -"
وقال القرطبي:"في هذه الآية دليل على أن التزوج بالزانية صحيح، وإذا زنت زوجة الرجل لم يفسد النكاح، وإذا زنى الزوج لم يفسد نكاحه مع زوجته، وهذا على أن الآية منسوخة، وقيل: إنها محكمة"-
* الخلاصة:
أنه لا تعارض بين الآية والحديث؛ لما سبق بيانه في مسلكي النسخ والجمع والله تعالى أعلم -
سورة النور (الموضع الثاني)