فإذ كان ذلك كذلك تبين أن لا معنى لقول من قال: إنما أنزلت هذه الآية من أجل كراهة المستتبع أكل طعام غير المستتبع؛ لأن ذلك لو كان كما قال من قال ذلك، لقيل: ليس عليكم حرج أن تأكلوا من طعام غير من أضافكم، أو من طعام آباء من دعاكم ولم يقل: أن تأكلوا من بيوتكم أو بيوت آبائكم، وكذلك لا وجه لقول من قال: معنى ذلك: ليس على الأعمى حرج في التخلف عن الجهاد في سبيل الله؛ لأن قوله: {} br& تَأْكُلُوا خبر ليس، و (أن) في موضع نصب على أنها خبر لها، فهي متعلقة بليس فمعلوم بذلك أن معنى الكلام: ليس على الأعمى حرج أن يأكل من بيته، ولا ما قاله الذين ذكرنا، من أنه لا حرج عليه في التخلف عن الجهاد -
فإذا كان الأمر في ذلك على ما وصفنا، تبين أن معنى الكلام: لا ضيق على الأعمى ولا على الأعرج، ولا على المريض، ولا عليكم أيها الناس، أن تأكلوا من بيوت أنفسكم، أو من بيوت آبائكم، أو من بيوت أمهاتكم، أو من بيوت إخوانكم، أو من بيوت أخواتكم، أو من بيوت أعمامكم، أو من بيوت عماتكم، أو من بيوت أخوالكم أو من بيوت خالاتكم، أو من البيوت التي ملكتم مفاتحها، أو من بيوت صديقكم، إذا أذنوا لكم في ذلك، عند مغيبهم ومشهدهم، والمفاتح: الخزائن، واحدها: مفتح، إذا أريد به المصدر، وإذا كان من المفاتيح التي يُفتح بها، فهي مَفْتَح ومَفَاتِح، وهي هاهنا على التأويل الذي اخترناه جمع: مفتح الذي يُفتح به -
"الخلاصة والترجيح:"
تبين لي بعد عرض مسلكي العلماء أنه لا تعارض بين ظاهر الآية والحديث باعتبار أنه يجوز الأكل عند المذكورين في الآية بإذنهم وبطيب نفسٍ منهم وإلا فلا، ومن منطلق أن العمل بالدليلين أولى من إعمال أحدهما وترك الآخر ومن باب تحميل الآية على الحديث أي العام على الخاص - والله تعالى أعلم -
سورة النور (الموضع التاسع)