وحكم هذا النوع من الإكراه أنه يعدم الرضا ولا يفسد الاختيار إذ إن الفاعل يمكنه الصبر على ما هدد به عادة [1] .
بعد أن تكلمنا عن الإكراه بشيء من التفصيل تبين لنا أن الإكراه الذي يكون مانعا من موانع التكفير هو الإكراه الملجيء لأنه ما يعتبر عذرا شرعيا وذلك لقول الله تعالى: (مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ) . [2] وسبب النزول لهذه الآية -كما قال ابن عباس-: (نزلت في عمار ابن ياسر وذلك أن المشركين أخذوه وأباه ياسرا وأمه سمية وصهيبا وبلالا وخبابا وسالما, فأما سمية فإنها ربطت بين بعيرين ووجيء قبلها بحربة وقيل لها: إنك أسلمت من أجل الرجال فقتلت وقتل زوجها ياسر وهما أول قتيلين قتلا في الإسلام.
وأما عمار فإنه أعطاهم ما أرادوا بلسانه مكرها, فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن عمارا كفر, فقال: (( كلا إن عمارا مليء إيمانا من قرنه إلى قدمه والاختلط الإيمان بلحمه ودمه ) ), فأتى عمار رسول الله صلى الله عليه وسلم يبكي فجعل رسول الله عليه الصلاة السلام يمسح عينيه وقال: (( إن عادوا لك فعد لهم بما قلت ) ), فأنزل الله تعالى هذه الآية). [3] وفي رواية قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: (كيف تجد قلبك) ؟ قال: (مطمئنا بالإيمان) , فقال: (إن عادوا فعد) . [4]
(1) . الوجيز في أصول الفقه ص 137 وشرح التلويح ص 414 ج 2
(2) . النحل: 106
(3) . أسباب النزول لعلي بن أحمد النيسابوري ص 176 - 177 دار التقوى بدون الطبع ولا السنة
(4) . فتح القدير ص 274 ج 3