الفقه والخبرة عما جربوه مراتٍ متعددة في حصار الحصون والمدائن التي بالسواحل الشامية لما حصر المسلمون فيها بني الأصفر في زماننا قالوا: كنا نحن نحصر الحصن أو المدينة الشهر أو أكثر من الشهر وهو ممتنعٌ علينا، حتى نكاد نيأس منه، حتى إذا تعرض أهله لسب رسول الله صلى الله عليه وسلم والوقيعة في عرضه تعجلنا فتحه وتيَّسر، ولم يكد يتأخر إلا يومًا أو يومين أو نحو ذلك، ثم يُفتح المكان عنوة ويكون فيهم ملحمة عظيمة، قالوا: حتى إن كنا لنتباشر بتعجيل الفتح إذا سمعناهم يقعون فيه مع امتلاء القلوب غيظًا عليهم بما قالوا فيه. وهكذا حدثني بعض أصحابنا الثقات أن المسلمين من أهل المغرب حالهم مع النصارى كذلك، ومن سنة الله أن يعذب أعداءه تارة بعذاب من عنده، وتارة بأيدي عباده المؤمنين" [1] ، قلت: ولا بد من الحذر من الركون إلى مثل هذه البشارات مع ترك تعاطي أسباب نصرة النبي صلى الله عليه وسلم، فتأمل كيف أن أهل الثغور كانوا يستبشرون بنصرة الله لرسوله صلى الله عليه وسلم بتعجيل هذه الحصون التي يحاصرونها لا أن أحدهم يقعد في بيته مع الخوالف ينتظر نصر الله من السماء دون أن يتعاطى أسبابه في الأرض من إعداد عدة وصدق عزيمة وإخلاص نية الخروج في سبيل الله تعالى. والشاهد هنا أن الله تعالى لا يفضح ولا يخزي عبدًا بمثل هذا الخزي والفضيحة بحيث تلفظه الأرض ولا تقبل نتنه إلا وقد احتوى قلبه من النتن والحقد الكثير الكثير حتى ضاق به صدره فظهر على جوارحه ولسانه فأخذ يتجرأ على مقام النبوة بشتى أنواع السباب والشتم، فهذا قد انتقض إيمانه وأمنه وهو بين عذابين؛ عذاب القتل بأيدينا أو عذاب الله تعالى وما يعلم جنود ربك إلا هو."
3.عن أنس بن مالك رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل عام الفتح وعلى رأسه المغفر، فلما نزعه جاء رجل فقال: إن ابن خطل متعلقٌ بأستار الكعبة، فقال: اقتلوه" [2] ، قلت: وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أهدر دمه واستثناه ونفرًا آخرين من الأمان الذي أعطاه لأهل مكة عام الفتح، قال الحافظ ابن حجر رحمه الله:"واستدل به- أي بالحديث - على جواز قتل الذمي إذا سب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفيه نظر كما قاله ابن عبد البر، لأن ابن خطل كان حربيًا ولم يدخله رسول الله صلى الله عليه وسلم في أمانه لأهل مكة، بل استثناه مع من استثنى وخرج أمره بقتله مع أمانه لغيره مخرجًا واحدًا، فلا دلالة فيه لما ذكره، انتهى. ويمكن أن يُتمسك به في جواز قتل من فعل ذلك بغير استتابة من غير تقييدٍ بكونه ذميًا، لكن ابن خطل عمل بموجبات القتل فلم يتحتم أن سبب قتله السب" [3] ، قلت: هذا الذي ذكره ابن حجر جيد أعني عدم التقييد بالساب الذمي لأن ابن خطل كان مرتدًا ولمن يكن من أهل الذمة، ولكن يبقى الدليل قويًا من الحديث على قتل ساب الرسول صلى الله عليه وسلم وهو إن كان في المسلم المرتد بالسب مؤكدًا ففي الذمي الناقض للعهد بالسب من باب أولى، وأما قوله رحمه الله إن ابن خطل قارف موجبات القتل الأخرى فلقد حرر ذلك شيخ الإسلام تحريرًا نفيسًا بحيث بيَّن أن الموجب الذي بسببه أباح النبي صلى الله عليه وسلم دمه إنما هو السب لا غير، حيث قال رحمه الله:"وقد تقدم عن أهل المغازي أن جرمه - أي جريمة ابن خطل - أن النبي صلى الله عليه وسلم استعمله على الصدقة وأصحبه رجلًا يخدمه، فغضب على رفيقه لكونه لم يصنع له طعامًا أمره بصنعه فقتله، فخاف ثَمَّ أن يُقتل فارتد واستاق إبل الصدقة، وأنه كان يقول الشعر يهجو به رسول الله صلى الله عليه وسلم ويأمر جاريتيه أن تغنِيّا به، فهذا له ثلاث جرائم مبيحة للدم؛ قتل النفس والردة والهجاء. فمن احتج بقصته يقول: لم يُقتل لقتل النفس لأن أكثر ما يجب على من قتل ثم ارتد أن يُقتل قَوَدًا، والمقتول من قبيلة خزاعة له أولياء فكان حكمه لو قُتل قَوَدًا أن يُسلَّم
(1) الصارم المسلول - 2/ 233 - 234
(2) صحيح البخاري - 2/ 655
(3) فتح الباري - 4/ 62