ثمانين جلدة ولا تقبلوا لهم شهادةً أبدًا وأولئك هم الفاسقون. إلا الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا فإن الله غفور رحيم" [1] ، فالآية الأولى على قولٍ عند أهل التفسير هي في أزواج النبي صلى الله عليه وسلم حيث يترتب على مَن قذفهنَّ لعنة الدنيا والآخرة مع الوعيد بالعذاب الأليم وذلك لمكان رسول الله صلى الله عليه وسلم، لأن قذف أزواجه رضي الله عنهن أذى له صلى الله عليه وسلم، أما الآية الثانية فهي في قذف غيرهن من المؤمنات حيث ترتب على ذلك حد القذف مع التنبيه على أن باب التوبة مفتوح لهؤلاء في حين لم تذكر الآية الأولى ذلك، قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:"إن هذه الآية في أزواج النبي صلى الله عليه وسلم خاصة في قول كثيرٍ من أهل العلم، فروى هشيم عن العوام بن حوشب ثنا [2] شيخ من بني كاهل قال: فسر ابن عباس سورة النور، فلما أتى على هذه الآية:"إن الذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات" [3] إلى آخر الآية قال: هذه في شأن عائشة وأزواج النبي صلى الله عليه وسلم خاصة، وهي مبهمةٌ ليس فيها توبة، ومَن قذف امرأةً مؤمنةً فقد جعل الله له توبة، ثم قرأ:"والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء"إلى قوله"إلا الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا" [4] ، فجعل لهؤلاء توبة ولم يجعل لأولئك توبة، قال: فَهَمَّ رجلٌ أن يقوم فيُقبِّل رأسه مِن حُسن ما فَسَّر. وقال أبو سعيد الأشج: ثنا عبد الله بن خراش عن العوام عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضى الله عنهما:"إن الذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات"نزلت في عائشه رضى الله عنها خاصة، واللعنة في المنافقين عامة، فقد بيَّن ابن عباس أن هذه الآية إنما نزلت فيمن يقذف عائشة وأمهات المؤمنين لما في قذفهن من الطعن على رسول صلى الله عليه وسلم وعيبه، فإنَّ قذفَ المرأة أذى لزوجها" [5] ، قلت: والشاهد هنا التفريق بين قذف أزواج النبي صلى الله عليه وسلم وأزواج غيره من المؤمنين، وذلك لمكان رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا آكد في تقرير حرمة مقام النبوة، ووآكد في صيانة الله عز وجل لشخص نبيه صلى الله عليه وسلم، ولله الحمد والمنة."
إنَّ تعرُّضَ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم لشيءٍ من الأذى من أعدائه عليهم لعنة الله لَيمثل داعيًا قويًا للمؤمنين الأوفياء للقيام بواجب الذب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وتفديته بالأرواح والأهلون والأموال والأوطان، ولقد كان الصحابة رضوان الله عليهم نعمَ الأنموذج يُحتذى في هذا المقام، غير أن الله تعالى لا يترك نبيه صلى الله عليه وسلم محتاجًا إلى نصرة أحد ولا مفتقرًا إليها رغم تأكد وجوبها عليهم؛ فنصرة رسول الله صلى الله عليه وسلم واجبة علينا وهو صلى الله عليه وسلم غير مفتقرٍ إليها بما أغناه الله تعالى عنها بل عن الخلق أجمعين، ألم تر إلى قوله تعالى:"والله يعصمك من الناس" [7] ، ففي الحديث عن عائشة رضي الله عنها قالت: كان النبي صلى الله عليه وسلم
(1) سورة النور - آية 4 - 5
(2) ثنا: اصطلاح عند المحدثين معناه: حدثنا
(3) سورة النور - آية 23
(4) سورة النور - آية 4 - 5
(5) الصارم المسلول - 2/ 93 - 95
(6) سورة التوبة - آية 40
(7) سورة المائدة - آية 67