النفوس وتلحقه بذلك معرة وضيم، وربما كان سببًا للتنفير عنه وقلة هيبته وسقوط حرمته، شُرعت العقوبة على خصوص الفساد الحاصل بسبِّه فلا تسقط بالتوبة كالعقوبة على جميع الجرائم، وأما ساب الله سبحانه فإنه يضر نفسه بمنزلة الكافر والمرتد فمتى تاب زال ضرر نفسه فلا يُقتل. ويؤيد ذلك أن القذف بالكفر أعظم من القذف بالزنى، ثم لم يُشرع عليه حدٌ مقدَّر كما شُرع على الرمي بالزنى، وذلك لأن المقذوف بالكفر لا يلحقه العار الذي يلحقه بالرمي بالزنى، لأنه بما يُظهر من الإيمان يُعلَم كذب القاذف، وبما يظهره من التوبة تزول عنه تلك المعرَّة، بخلاف الزنى فإنه يستسر به ولا يمكنه إظهار البراءة منه، ولا تزول معرته في عرف الناس عند إظهار التوبة، فكذلك ساب الرسول يُلحق بالدِين وأهله من المعرة ما لا يلحقهم إذا سب الله لكون المنافي لسبِّ الله ظاهرًا معلومًا لكل أحدٍ علمًا يشترك فيه كل الناس، بمعنى أن أثر سب الله تعالى لا يظهر بالنسبة لله تعالى.
3.إن النبي صلى الله عليه وسلم إنما يُسب على وجه الاستخفاف به والاستهانة، وللنفوس الكافرة والمنافقة إلى ذلك داعٍ من جهة الحسد على ما آتاه الله من فضله، ومن جهة المخالفة في دينه، ومن جهة التكبر عن الانقهار تحت حكم دينه وشرعه، ومن جهة المراغمة لأمته، وأما سبُّ الله سبحانه فإنه لا يقع في الغالب استخفافًا واستهانةً وإنما يقع تديُّنًا واعتقادًا، وليس للنفوس في الغالب داعٍ إلى إيقاع السب إلا عن اعتقاد يرونه تعظيمًا وتمجيدًا، وهذا كمن يدعي أن الله اتخذ ولدًا تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا، فهذا من جنس السب بل هو شتم صريح كما جاء في الحديث القدسي، ومع ذلك فحكمه حكم الكفر إلا أن يتوب.
4.إن مفسدة سب الرسول صلى الله عليه وسلم لا تزول بإظهار التوبة، بخلاف مفسدة سب الله تعالى، ولهذا إذا نظرت إلى جريمة القتل والزنى وإلى جريمة الردة وجدت أن حد القتل والزنى لا يسقط لأنه لا يمكن إزالة مفسدتهما التي وقعت، بخلاف حد الردة فإنه يسقط بالإسلام لأن مفسدة وقوع الردة تزول بعودته للإسلام.
والحاصل أن حرمة الرسول صلى الله عليه وسلم أُلحقت بحرمة الله من جهة التغليظ، لأن الطعن فيه طعن في دين الله وكتابه، ولكن هذا الحق أشبه بحقوق الآدميين من جهة بقاء حقه في استيفاء العقوبة من الساب، فهو صلى الله عليه وسلم من المخلوقين الذين لا تسقط حقوقهم بالتوبة، لأنهم ينتفعون باستيفاء الحقوق ممن هي عليه، ولئن كان من حقه صلى الله عليه وسلم العفو عمن شاء ممن له عليه حق في حياته فقد انقطع هذا بموته صلى الله عليه وسلم ولم يعد إلا تغليظ العقوبة وبطلان سقوطها بالتوبة. فالنبي صلى الله عليه وسلم يتألم بأذى مَن سبه وشتمه، فله أن يعاقب من آذاه تحصيلًا لمصلحة نفسه صلى الله عليه وسلم، كما له أن يأكل ويشرب، ومعلوم أن الله تعالى غني عن ذلك كله، ولهذا فان تمكين البشر من استيفاء حقه صلى الله عليه وسلم ممن بغى عليه من جملة مصالح المؤمنين، ولولا ذلك لماتت النفوس غمًّا من وقوع أذاه وعدم الانتصار له صلى الله عليه وسلم. [1]
(1) الصارم المسلول - 3/ 926 - 930 باختصار وتصرف