فإذا كان المدلس حافظا ضابطا إماما في الحديث ، فلماذا ترد جميع مروياته ، أليس التدليس - في أشهر صوره وتعريفاته - هو تحديث الراوي عن شيخ سمع منه ما لم يسمعه منه ، بصيغة محتملة كالعنعنة . فإذا تحققت الضمانة بأن هذا الراوي الثقة - وإن كان وقع في التدليس في بعض الأحيان - ولكنه في أحاديث معينة رواها على وجهها ، ولم يسقط أحدا من الرواة ، فلماذا يرد جميع حديثه حينها ؟! أليست العدالة تقتضي أن يرد الحديث الذي يغلب على الظن أنه قد دلس فيه فقط ، أما ما جاءت الأدلة بأنه لم يمارس فيه التدليس نقبله ونأخذ به !
هذا حاصل ما يقرره عامة علماء الحديث ، حتى الإمام الشافعي رحمه الله حين يقول:"من عرفناه دلس مرة فقد أبان لنا عورته في روايته . وليست تلك العورة بالكذب فنرد بها حديثه ، ولا النصيحة في الصدق ، فنقبل منه ما قبلنا من أهل النصيحة في الصدق . فقلنا: لا نقبل من مدلس حديثا حتى يقول فيه ( حدثني ) أو ( سمعت ) "انتهى من"الرسالة" (ص/378)
فالشافعي رحمه الله يقرر بكل وضوح أن التدليس ليس عورة ترد بها جميع الأحاديث ، وإنما ترد بها الرواية التي نخشى أن يكون دلس فيها ، فإذا قامت قرينة تنفي وقوع الراوي في تدليس حديث معين ، كأن يقول حدثني أو سمعت ، قبلنا حديثه .
وهكذا تعامل الأئمة مع أحاديث الأعمش رحمه الله ، فتشوا عن القرائن في مروياته ، فوجدوا أن الأعمش لا يدلس عن شيوخه الكبار الذين لازمهم سنوات طوالا ، وسمع منهم آلاف المرويات ، من أمثال إبراهيم النخعي الذي روى عنه هذه الرواية . لذلك قال الإمام الذهبي رحمه الله:"متى قال ( عن ) تطرق إليه احتمال التدليس ، إلا في شيوخ له أكثر عنهم ، كإبراهيم ، وأبي وائل صالح السمان ، فإن روايته عن هذا الصف محمولة على الاتصال"انتهى من"ميزان الاعتدال" (2/224)
بل إن الأعمش ليس من المكثرين من التدليس ، وتدليسه قليل في جنب ما روى ، فمثله لا يرد العلماء حديثه .