لا بد من تقرير أمر مهم في بداية الجواب ، سببه أننا استشعرنا في السؤال قدرا من المبالغة في خطورة المسألة ، وأنها قضية فتنة واختبار ، وحقيقة الأمر أنها مسألة علمية بحثية ، تناقش قضايا إسنادية وتاريخية ، الاختبار فيها إنما هو للعقل البحثي ، كيف يناقش ، وكيف يدرس الوثائق ويتحقق من الروايات ، ويتغلب على الأهواء أو المؤثرات ، ولا تتجاوز ذلك إلى أن تكون قضية إيمان ونقيضه ، أو فتنة ما بين الهدى والضلال ، فالأمر أيسر من ذلك ، ولا ينبغي مجاوزة أقدار المسائل في العلم كي لا تتيه الحقائق في غمرة ذلك الغلو ، بل إن المسألة لا تدخل في دائرة القطعيات المعلومات من الدين بالضرورة ، فليست قرآنا منزلا ، ولا ركنا من عقائد المسلمين .
كل ذلك نقرره كي تتناول السائلة الباحثة المسألة بقدر من الهدوء والروية ، بعيدا عن سيف الفتنة والتضليل ، وحينها ستكتشف أن تقدير مراتب العلم ، وإنزال المسائل حقها من غير إفراط ولا تفريط ، أحد أهم أسباب التوفيق إلى أصواب الأقوال بإذن الله .
ثانيا:
أما مناقشة الأسانيد الأربعة الواردة في السؤال فأمر سهل وميسور إن شاء الله .
أما إسناد الأعمش ، عن إبراهيم ، عن الأسود ، عن عائشة .
فالأعمش - وهو سليمان بن مهران (ت148هـ) - موصوف بالتدليس عند النسائي والدارقطني كما في"طبقات المدلسين" (ص/33) والتدليس مذموم على وجه العموم ، ولكن من عرف حقيقة التدليس وصوره وأسبابه تبين له أن من الخطأ التعامل مع جميع المدلسين بحكم مطلق واحد ترد به جميع أحاديثهم ، بل الأمر فيه تفصيل وشرح مطول ، كتبت فيه الأبحاث المطولة ، وألفت فيه المجلدات الضخام ، وليس من المقبول - في أدنى أساسيات العقول - أن ترفض كل تلك العلوم والتحقيقات في أحاديث المدلسين بجرة قلم من غير مختص ، دفعه إلى ذلك جهله بذلك العلم ، أو حبه لإثبات ما يوافق هواه ورأيه .