فصاروا يفعلون فيه كل شيء ، وانقسم الناس ثلاثة أقسام قسم صاد واستحل السبت ، وقسم امتنع وسكت ، وقسم امتنع ونهى ، ولكنه لم يؤثر فيهم ، فغضب اللّه عليهم ولعنهم وفصل بينهم وبين الآخرين بجدار حتى لا يرونهم ، فقصدوهم وتسوروا الجدار لينظروهم ، فإذا هم ممسوخون قردة وخنازير يتعاوون ، وبقوا ثلاثة أيام ثم هلكوا عن آخرهم ، قالوا ولم يمكث مسخ بعد ثلاث ، ولم يتوالد البتة ، وكان زعمهم هذا بتأويل الجواز ، ولم يعلموا أن اللّه تعالى لا تخفى عليه حالتهم ونيتهم ، ولهذا البحث صلة فِي الآية 73 الآتية إن شاء اللّه ، ولهذا حذرهم اللّه تعالى سوء صنيع أسلافهم ، لئلا يصيبهم ما أصابهم بأن يجعلوا هذه الحادثة نصب أعينهم يتذكرون فيها.
مطلب ما قاله الإمام المراغي وقصة البقرة وإحياء الميت:
هذا والعجب كل العجب من أن سماحة الأستاذ المراغي بمصر العظيمة اعتبر هذا المسخ عند تفسير الآية 65 من سورة البقرة معنويا ، مستدلا بما رواه ابن جرير عن مجاهد بأنه ما مسخت صورهم ولكن مسخت قلوبهم ، وهو يعلم بأن ابن جرير ينقل الأقوال ثمّ يعلّق عليها ، وقد بسط الموضوع بصورة لم تبق شكا فِي أن المسخ كان حقيقيا ، على أن اللّه تعالى كرر هذه الحادثة فِي الآية 63 من سورة المائدة الآتية وأشار إليها فِي الآية 162 من الأعراف ج 1 بصورة صريحة لا مجال للتأويل فيها ، وعلى قوله يقال أيضا بأن رفع الجبل كان معنويا ، وموت السبعين المختارين فِي الآية 155 من سورة الأعراف كان صوريا ، وما ذكره اللّه عن موسى والخضر وقصة البقرة كان صوريا ، فما أدري أستكثر على اللّه ذلك ، كلا وحاشا ، ولكن قد يكبو الجواد ، وزلة الكبير كبيرة ، ولا حول ولا قوة إلا باللّه.