عند الرازي فيقول [1] : انه من الممكن لقائل ان يقول: قول القائل: تشاركا في الوجوب الذاتي. ماذا تعني به؟ فهل نعني به مطلق الوجوب، أم أن احدهما شارك الآخر في الوجوب الذي يخصه؟.فإن أراد مطلق الوجوب، فيقال له: وكذلك اشتركا في مطلق التعين فهذا واجب وهذا واجب، وهذا معين، وهذا معين. والمعينات مشتركة في مسمى التعين كالواجبات مشتركة في مسمى الوجوب. وبالتالي فلم يتباينا ولم يختلفا في مطلق التعين كما لم يتباينا في مطلق الوجوب. فان أراد اشتراكهما في عين الوجوب فهذا ممتنع كما ان اشتراكهما في عين التعين ممتنع. فإذا جاز لقائل ان يدعي التشارك في نفس وجوب الواجب الخاص، لجاز لأخر ان يدعي التشارك في التعين الخاص. فالرازي أخذ الوجوب مطلقا، والتعين مقيدا، وكان الأحرى به ان يسوي بينهما في الإطلاق والتعين، لانهما متلازمان، حيث ان وجوب هذا ملازم لعينه ووجوب هذا ملازم لعينه، فيمتنع انفكاك أحدهما عن الآخر. وكذلك العكس، فإنه باطل في إطلاق التعين وتقييد الوجوب [2] .
وفي الجملة فالصفات المتلازمة لا يكون بعضها أخص من بعض، وان التفريق في الصفات اللازمة للحقيقة بين الذاتي والعرضي هو تحكم بدون محكم. ويوضح ابن تيميّة ذلك بمثال حيث يقول: فانه إذا قدر انسانان فلكل منهما إنسانيته و حيوانيته وناطقيته. فكل إنسانية هي نظير الأخرى، وكذلك الناطقية والحيوانية، وليست عينها أو ذاتها، إلا أن يراد بلفظ العين النوع، كما يقال، لمن عمل مثل ما يعمل غيره: هذا العمل عين عمل فلان، أي انه من جنسه ونوعه وليس ذاته.
وبالتالي فقد تبين أن الموجودين والواجبين ونحو ذلك، لم يتركب أحدهما من مشارك ومميز، بل ليس فيه الا وصف مختص به يتميز به عن غيره، وان كانت الصفات متشابهة في بعضها ومخالفة في غيرها [3] . كما ان مقصود الرازي في قولة:"مركب من الاشتراك والامتياز"هو لفظ محتمل، فان عنى بذلك انه موصوف بالأمرين فهذا صحيح. وان عنى ان هناك أجزاء تركبت ذاته منها فهذا باطل. وذلك مثل قول أحدهم: أن الإنسان مركب من الحيوانية والناطقية، فلا يحمل على انه مجزأ منهما
(1) انظر، المصدر السابق، ج 3، ص 11
(2) انظر، المصدر السابق، ج 3،ص 14.
(3) انظر، المصدر السابق، ج 3،ص 15.