فهرس الكتاب

الصفحة 51 من 132

تنوعت التعبيرات والاتجاهات في صدور العالم، إلا انه يمكننا أن نرد الاتجاهات في صدور العالم إلى أربعة:

1.قول الدهرية: [1] وهم القائلون بان هذا العالم مستمد وجوده من ذاته لا من خالق. وهؤلاء باتفاق أئمة الإسلام وإجماعهم كفار؛ لأنهم جحدوا الصانع وحاجة العالم للخالق [2] . ولن يكون بحثنا في رأي وقول هؤلاء، وإنما سيكون بحثنا في الرأي الثاني وهو:

2.قول الفلاسفة الإلهيين: وهو القول بقدم العالم الزماني، حيث يتصورون الله علة تامة ولا يجوز تأخر المعلول عن العلة زمانا، فهو تأخر بالرتبة فقط، وهو كتأخر نور الشمس عن الشمس، وسنأتي إلى تفصيل رأيهم وحجتهم لاحقًا. وهو قول ابن سينا والفارابي وليس قول جميع الفلاسفة [3] .

ويلحق بقول الفلاسفة ما نسبه الإمام البغدادي إلى المعتزلة بشيئية العدم [4] . حيث يلزم من إثبات شيئية العدم إثبات ذات له، فإذا أثبتنا ذاتًا أثبتنا موجودًا مع الله، وبالتالي يلزم القول بقدم العالم الذي قالت به الفلاسفة.

والحقيقة في هذا المقام أن الخلاف خلاف لغوي فإن المعتزلة يطلقون لفظ الشيء على ما جاز الإخبار عنه فيشمل الموجود والمعدوم، وأما الأشاعرة كالبغدادي فإنما يطلقونه فقط على الموجودات دون المعدوم، لذلك نجد الزمخشري يقول:"وفي الأشياء ما لا تعلق به للقادر كالمستحيل"‍ [5] .وذلك أن المستحيل معلوم أنه لا يوجد فهو معدوم قطعا فأعتبر المعدوم شيئا.

ولا أدل على أن الخلاف لغوي مما نقله الراغب في معنى الشيء فقال: إن الشيء له معان عدة:

(1) الدهرية: نسبة الى الدهر في قوله تعالى: (وقالوا ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما يهلكنا إلا الدهر) ، أي انهم ينكرون يوم البعث، وينكرون وجود الخالق. انظر الغزالي، أبوحامد، محمد، (المنقذ من الظلال) ، ص 25.

(2) انظر، الغزالي، أبو حامد محمد، (المنقذ من الضلال) ، ص 25.

(3) ان ابن سينا لم يأت بها من عنده وانما جاء بها من كلام أرسطو، إلا انه هذب فلسفته وأخرجها بشكلها الذي نرى رغبة في التوفيق ما بين الشريعة والفلسفة.

(4) انظر، البغدادي، عبد القاهر، (الفرق بين الفرق) ، ص 116.

(5) الزمخشري، محمود، (الكشاف) ، ج 1، ص 88.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت