فهرس الكتاب

الصفحة 46 من 132

تمهيد:

ثارت في تاريخنا الإسلامي أزمات فكرية، وضعت المدارس الفكرية المختلفة في صراعات، لازلنا نلاحظها إلى وقتنا الحاضر. حيث اتخذت أشكالًا عدة، بين الشدة والتساهل، والدفاع والهجوم، حيث اختلفت دوافعها وإشكالياتها، وكان لكل مشكلة ظروفها الخاصة، التي ساهمت في إظهارها وإسقاطها على الواقع.

ومن هذه المشاكل مشكلة بحثنا وهي قدم العالم. فما هي علاقة العالم بالله؟ وما صفة تلك العلاقة؟. فكانت هناك آراء في تصور العالم وعلاقته بالله الموجد له. إلا أن هذه التصورات لم تلق الترحيب الكامل عند عامة المسلمين، حيث يلزم منها مفاهيم غير شرعية، ومفاهيم ليست من الإسلام على رأي الفئة الأخرى. فكانت الصراعات والاتهامات، التي أرى أنها وصلت إلى مرحلة اللاعودة، حيث إن المشكلة لو قرر فيها مهما قرر رأي أحدهما فسيبقى من يقول في الناس بخلاف ذلك الرأي.

وإذا ما أردنا أن نتعرف على أساس المشكلة، فهو المنهج الذي تثبت به الحقائق الشرعية. فهل يستقل العقل بإثبات حقائق شرعية؟ وإذا استقل فهل له حدود؟ أم انه مطلق يجوب الساحة التي يريد؟. فالمنهج العقلي كان أحد أهم الأسباب في اختلاف الرأي، حيث إن العقل ممكن الاختلاف في أحكامه، فما يكون محالا عند قوم فقد يكون ممكنًا عند آخرين، إلا أن يراد بأحكام العقل البديهية التي لا خلاف فيها. إلا أن قوما يسلمون لمعلومات بحكم أنها بديهية في العقول ولا يسلمها آخرون؛ بحجة أنها ليست بدهية وليست برهانية. أي انهم لم يقيموا على صحتها دليلًا لأنها ليست بدهية كما يدعون.

فكان لعلماء الإسلام جولات في مسألتنا بالذات، بين أخذ بمنهج مطلق العقل، وبين تحديده، فكان الفلاسفة أصحاب مذهب عقلي محض، فما أثبته العقل ذهبوا إليه بغض النظر عما اثبت النص الشرعي، حيث يعمدون إلى تأويل النص الشرعي بما يتفق مع ما أثبتته مسالك أدلتهم العقلية. وتصدى لهم الإمام الغزالي ومن بعده الرازي، وتابعه جمهور الأشاعرة في الرد عليهم. وأما المدرسة الحنبلية فان نهجها وبالذات في صفات الباري هو الإثبات [1] ، وعدم الخوض فيها، شعارهم أمروها كما جاءت، إلا ان الإمام ابن تيميّة مع

(1) حيث ان المنهج الحنبلي كان قائما على أسس عقلية، فان العقل لا يدرك كيفية صفات الله تعالى فأثبتوا ما أثبت الله لنفسه، مع التنزيه عن المشابهة والتمثيل والتكييف، واستخدموا المنهج العقلي في مجاله بالطريقة القرانية في إثبات عقائد الإسلام دون الحاجة للخوض في مسالك المتكلمين والفلاسفة. انظر منهج ابن تيميّة في الفصل الثاني من الباب الأول لهذا البحث.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت