فان الفرق بين النوع والفرد معلوم، وان المعنى المنتفي فهو قدم حادث أو مجموع حوادث في الأزل، وأما دوامها شيئا بعد شيء كما هي دائمة شيئا بعد شيء في المستقبل فليس في العقل ما ينفي ذلك، ولا يمكن التفريق بين الحوادث في الماضي والمستقبل بفرق مؤثر في الحكم، وليس كل مجموع يوصف بما يوصف به أفراده، بل قد يوصف بذلك إذا لم يستفد بالاجتماع حكما أخر، وقد لا يوصف بذلك إذا حصل له بالاجتماع حكم أخر.
ومثال الأول: كاجتماع الموجودات أو المعدومات، والممكنات، والممتنعات، فان اجتماع الموجود إلى الموجود، والمعدوم إلى المعدوم لا يخرجها عن حكم هذه الصفات.
ومثال الثاني:- كاجتماع على أجزاء الخط و السطح والجسم الطويل والعشرة والألف ونحو ذلك. فانه إذا اجتمعت هذه الأجزاء حكم على المجموع بغير حكم الأفراد [1] .
وبالتالي فالمقصود بقدم النوع هي صفة الفعل لله تعالى، وأما حدوث الأفراد فهو أثر تلك الصفة كما هو موضح في طي هذا البحث. وكل ذلك ناشئ عن نفي المتكلمين التسلسل بإطلاقه دون التمييز بين المؤثرات والآثار.
وأما صفة الكلام فهي انعكاس لهذه القضية [2] .
وفي النهاية أقول إن مصطلح القدم بالنوع لم يبتدعه ابن تيميّة، بل قد قال به قبله الإمام الفخر الرازي إلا انه حاول أن يقرب بين الفلسفة وأهل الكلام فخرج متناقضا [3] ، إذ أن قدم النوع يستلزم إثبات حوادث لا أول لها، والمتكلمون بنوا دليل حدوث الأجسام على إثبات أول لهذه الحوادث [4] . وكذلك الفلاسفة فقد قالوا بقدم النوع، إلا أنهم لم يثبتوا له وجودًا فهو مجرد معنى ذهني، لا وجود له في الخارج. وأما ابن تيمية فأثبت له وجودا وحقيقة كباقي صفات الله تعالى، فهي موجودة غير معلومة الكيف.
(1) انظر، ابن تيميّة، أحمد، (الصفدية) ، ج 1، ص 277 - 278.
(2) انظر، ابن تيميّة، أحمد، (مجموع الرسائل والمسائل) ، ج 2، ص 360 وما بعدها.
(3) هكذا ظهر للإمام ابن تيميّة ولست معه إذ أني وجت الإمام الرازي باحثا عن الحقيقة حتى استقر به المقام إلى أن يعلن أن أولية الله للعالم معلومة على صفة الإجمال دون التفصيل. انظر الرازي، الفخر محمد، (التفسير الكبير) ،ج 29،ص 211.
(4) انظر، ابن تيميّة، أحمد، (مجموع الفتاوى) ، ج 5، ص 561.