ولهذا فرق العلماء بين ما يتشدد فيه من الأخبار وبين ما يتساهل فيه تبعًا لطبيعة ما يُروى، فإذا كان المروي متعلقًا بالنبي صلى الله عليه وسلم أو بأحد من الصحابة رضي الله عنهم، فإنه يجب التدقيق في رواته والاعتناء بنقدهم.
ويلحق بهذا ما إذا كان الأمر يتعلق بقضية في العقيدة كموضوع الفتنة الكبرى والشبهات المثارة حول عائشة رضي الله عنها أو موضوع شرعي كتحليل وتحريم، فإنه لا بد من التثبت من رواته ومعرفة نقلته، ولا يؤخذ في هذا الباب إلا من الثقات الضابطين.
يقول الدكتور أكرم ضياء العمري في هذا الشأن: (كما أن استعمال قواعد المصطلح في نقد الروايات التاريخية ينبغي أن يشتد على قدر تعلق المادة بالأحداث الخطيرة التي تؤثر فيها الأهواء ويشتط عندها الرواة، كأن تكون الروايات لها مساس بالعقائد كالفتن التي حدثت في جيل الصحابة، أو ذات صلة بالأحكام الشرعية كالسوابق الفقهية، فإن التشدد في قبولها يجعل استعمال قواعد الحديث بدقة أمرًا مقبولًا.) أ. ه
وبناءً على ذلك إذا كانت الرواية التاريخية لا تتعلق بإثبات أمر شرعي أو نفيه أو الأحكام -الحلال والحرام-، فيقبل في هذا الباب من الروايات الضعيفة ما لا يقبل في سابقه، فيستشهد بها، لأنها قد تشترك مع الروايات الصحيحة في أصل الحادثة، وربما يستدل بها على بعض التفصيلات ويُحاول الجمع بينها وبين الروايات الأخرى التي هي أوثق سندًا. لكن السماح بالمرويات الضعيفة ليس مسوغا للأخذ من المشهوريين بالكذب وساقطي العدالة وإنما قصد العلماء بالتساهل إمرار أو قبول رواية من ضعف ضبطه بسبب الغفلة أو كثرة الغلط أو التغير والاختلاط ونحو ذلك، أو عدم اتصال السند كالرواية المرسلة أو المنقطعة.) أ. هـ [1]
و يقول الشيخ محب الدين الخطيب رحمه الله: - (هذه الكتب المصنوعة والأخبار المبالغ فيها أو المكذوبة شحنت بها أسفار الأخبار وكتب الأدب. ولتمييز الحق فيها من الباطل طريقان: أحدهما طريق أهل الحديث في ألا يقبلوا إلا الأخبار المسندة إلى أشخاص بأسمائهم ثم يستعرضون أحوال هؤلاء الأشخاص فيقبلون من صادقهم، ويضربون وجه الكذاب بكذبه.
(1) المصدر السابق بتصرف