... ومن العجيب أنهم يقرؤون في التوراة"ملعون من تعلق بالصليب" (1) ثم هم يعظمون الصليب !!
ولو كان لهم أدنى عقل، لكان الأولى بهم أن يحرقوه أو يكسروه فإنه قد صلب عليه إلههم ومعبودهم بزعمهم، وأهين وصفع وقتل فوقه. وصار بزعمهم ملعونًا، لأنه علق به كما يقول بولس:"إن المسيح صار لعنة لأجلنا" (2) وتعظيم الصليب مما ابتدعوه في دين المسيح بعده بزمان، ولا ذكر له في أناجيلهم- أي بالتعظيم- (3)
(1) سفر تثنية الإشتراع (21/23) .
(2) انظر رسالة بولس إلى أهل غلاطية (3/13) :"المسيح افتدانا من لعنة الشريعة إذ صار لعنة لأجلنا"اهـ.
(3) للعلم فلم يرد حمل الصليب على لسان المسيح فيما ينسبونه له من أقوال في أناجيلهم، إلا على معنى ومثل واحد، ولم يرد في ذلك المثل مورد التعظيم أو العبادة أو التقديس أو الدعوة إلى اتخاذه شعارًا أو قلادة كما عمّت بدعته بينهم.. وإنما قال فيما نسبوه إليه:"من أراد أن يتّبعني فليزهد في نفسه وليحمل صليبه ويتبعني، لأن الذي يريد أن يخلص حياته يفقدها، وأما الذي يفقد حياته في سبيلي وسبيل البشارة فإنه يخلصها"انظر متى (16/24-28) ولوقا (9/23-27) و (14/25-28) ومرقس (8/34-36) ؛ فهذه كما هو بيّن دعوة إلى الموت في سبيل العقيدة والدين، واسترخاص الحياة والزهد بها لأجل الدين، ولأن القتل في ذلك الزمان كان لابد فيه من الصلب على طريقة الرومان مع من يحكمون عليه بالقتل ؛ فقد أشار المسيح إلى الموت بقوله"فليزهد في نفسه وليحمل صليبه"وفي لوقا (14/25-28) "يرغب عن أبيه وأمه وامرأته وبنيه ..بل عن نفسه أيضًا.."ثم ذكر حمل الصليب، فهو كمن يقول:"من أراد الجنة فليحمل كفنه وليزهد بدنياه ويتبع الأنبياء"فليس في هذا تعظيم للكفن ؛ كما أنه ليس في ذلك تعظيم للصليب البته عند من له مسكة عقل..
فترك هؤلاء البلهاء مراد المسيح ومطلبه من الزهد في الدنيا واتباع دعوته ودعوة الأنبياء، وطريقتهم المحفوفة بالدماء والقتل والمكاره ، وتعلّقوا بالصليب حقيقة وعظموه وانحرفوا إلى الشرك والتنديد فحقت عليهم اللعنة إلى يوم الدين.