أما من حيث أن عقيدة الفداء أثمرت عند النصارى إلغاء العمل بالشريعة، وإسقاط الدينونة والحساب، وهو الأمر الذي استغله بولس لدعوته الإرجائية إلى التحلل والتحرر من تكاليف الشريعة ، كما سيأتي.. فمناقضة هذا، لما في أناجيلهم كثير أيضًا.. من ذلك:
ما جاء في إنجيل متى مما ينسب إلى المسيح: (لا تظنوا أني جئت لأبطل الشريعة أو الأنبياء، ما جئت لأبطل بل لأكمل، الحق أقول لكم: لن يزول حرف أو نقطة من الشريعة حتى يتم كل شيء أو تزول السماء والأرض، فمن خالف وصية من أصغر تلك الوصايا، وعلم الناس أن يفعلوا مثله، عد الصغير في ملكوت السموات، وأما الذي يعمل بها ويعلمها فذاك يعد كبيرًا في السموات) (5/17-19)
وفيه أيضًا: ( سمعتهم أنه قيل"لاتزن"أما أنا فأقول لكم: من نظر إلى امرأة بشهوة زنى بها في قلبه، فإذا كانت عينك اليمنى سبب عثرة لك فاقلعها، وألقها عنك ، فلأن يهلك عضو من أعضائك خير لك من أن يلقي جسدك كله في جهنم،) (5/27-29) وانظر (18/8-9)
وفيه: (لا تدينوا لئلا تُدانوا، فكما تُدِينون تُدانون، ويُكل لكم بما تكيلون) (7/1-2)
وفيه: (ليس من يقول لي:(يارب ، يارب) يدخل ملكوت السموات، بل من يعمل بمشيئة أبي (1)
(1) المقصود بإيراد هذه النصوص، بيان تناقض القوم في عقيدتهم وفي كتبهم المقدسة!! التي حرفوها.. ولا يعني إيرادنا لهذه المقتطفات قبولنا بكل ما تحويه، كما هو بيّن ، والمعروف أن أناجيلهم تزخر بهذه اللفظة (أبي ) ومثلها الابن والأبناء.. وليس ذلك في حق المسيح وحده كما هو المشهور في عقيدتهم، بل ورد ذلك كثيرًا في حق غيره أيضًا، انظر على سبيل المثال"إنجيل متى: (5/48) و (6/1 و4و6و8و9) و (23/9-10) وغيره كثير، فيقال للنصارى: إما أن يكون جميع الخلق عندكم أبناء الله على الحقيقة وليس ذلك مختصًا بالمسيح، وهذا مالا يقولونه."
أو أنها وردت في الأناجيل بمعنى الولي أو المولى أو السيد أو الراعي الذي يرعى عبيده المؤمنين جميعا المسيح وغيره، فيكون من قبيل المعنى الذي جاء في الحديث الضعيف: (الخلق عيال الله، فأحبهم إلى الله أنفعهم لعياله.) قال في مجمع الزوائد (8/194) : (رواه أبو يعلى والبزار وفيه يوسف الصفار وهو متروك) اهـ. فترجمها النصارى وحرفوها إلى لفظة (الآب) في حق المسيح وغيره.. ويدل على هذا المعنى، استعمال نظائره في مواضع كثيرة من كتبهم منها ما جاء في إنجيل يوحنا (1/12 -13) : (أما الذين قبلوه وهم الذين يؤمنون باسمه فقد مكنهم أن يصيروا أبناء الله) ، ويؤيده استعمالهم هذه اللفظة بنسبتها في حق الكفار إلى إبليس كما في يوحنا (8/44) : (أنتم أولاد أبيكم إبليس..) اهـ. فالجني لا يكون أبا للإنسي على الحقيقة…
والنصارى لتناقضهم لا يأخذون ذلك على الحقيقة مطلقًا .. ولا على المجاز مطلقًا .. بل ينتحلونه عقيدة على الحقيقة في حق المسيح، ويبقونه مجازا في حق غيره.. ولا دليل عندهم على هذا التفريق إلا التحكم العقلي المحض.