وليس أدل على هذه الحال، مما جاء في خبر قصة إسلام سلمان الفارسي الطويلة والتي رواها الإمام أحمد في مسنده (5/441-444) وفيها حكاية تنقله بين بقايا من رهبان أهل الكتاب في بقاع متفرقة، كل يدله عند موته على واحد، في بقعة بعيدة عنه، يعرفه ولا يعرف غيره ممن يظنهم على دين المسيح في ذلك الزمان؛ وكان عددهم جميعًا لا يتجاوز أصابع اليد الواحدة ، حتى قال له بعضهم لما حضرته الوفاة: ( أي بني والله ما أعلم أحدًا اليوم على ما كنت عليه ، لقد هلك الناس وبدلوا، وتركوا أكثر ما كانوا عليه، إلا رجلًا بالموصل وهو فلان، فهو على ما كنت عليه؛ فالحق به ) إلى أن كان عند آخرهم وحضره الموت فقال له سلمان: ( إني كنت مع فلان فأوصى بي إلى فلان وأوصى بي فلان إلى فلان ثم أوصى بي فلان إليك فإلى من توصي بي ؟ وما تأمرني ؟ فقال له:( أي بني ما أعلمه أصبح على ما كنا عليه أحد من الناس آمرك أن تأتيه، ولكنه قد أظلك زمان نبي هو مبعوث بدين إبراهيم؛ يخرج بأرض العرب، مهاجرًا إلى أرض بين حربتين بينهما نخل، به علامات لا تخفى؛ يأكل الهدية ولا يأكل الصدقة، بين كتبه خاتم النبوة، فإن استطعت أن تلحق بتلك البلاد فافعل …) إلى آخر قصة سلمان الفارسي .
وقد بشر الله تعالى في كتابه وعلى لسان نبيه صلى الله عليه وسلم من آمن من النصارى بعقيدة التوحيد التي جاء بها الإسلام ؛وصدق بخاتم الأنبياء والمرسلين صلى الله عليه وسلم ؛ أن يؤتى أجره مرتين.
... فقال تعالى:"الَّذِينَ ءَاتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ (52) وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا ءَامَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ (53) أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ" (القصص) .