وفي هذا دلالة على عفافها وورعها وهي في ريعان شبابها إذ تتعوذ من تلك الصورة الحسنة السوية الفائقة الحسن ولا تخضع له بالقول.. كما هو حال أغلب من في مثل هذا العمر. قال بعض المفسرين: (كان تمثله على تلك الصفة ابتلاءً لها وسبرًا لعفّتها.. ) (1)
{ قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا (19) قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا (20) قَالَ كَذلكِ قَالَ رَبُكِ هُوَ عَليًّ هيّنُ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً للنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا وَكَانَ أَمْرًَا مَقْضِيَّا (21) } (سورة مريم)
وقال تعالى: { إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (45) وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَمِنَ الصَّالِحِينَ (46) قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قَالَ كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (47) } (سورة آل عمران) (2) .
وكيف كان حملها ؟ .
أخبرنا الله تعالى في القرآن أن ذلك كان بنفخة من الملك جبريل"روح القدس".
(1) انظر على سبيل المثال البحر المحيط لابن حيان (6/180) .
(2) يرى ابن حزم الظاهري أن مريم نبيّة وكذلك سارة أم إسحق وأم موسى، محتجًا بكلام الملائكة لمريم وسارة والوحي لأم موسى وقد خالف بذلك جمهور العلماء.. فجمهور أهل السنة يرون أن النبوة مختصة بالرجال وليس في النساء نبية ،وكلام الملائكة لا يكفي دليلًا على النبوة ،والوحي لأم موسى وحي إلهام وتوفيق وقد ذكر الوحي في حق النحل. أما مريم فأعلى مقاماتها ما ذكره الله تعالى في قوله: { مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ } (المائدة) وهي أفضل الصديقات في زمانها، لقوله تعالى: { وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ (42) } (آل عمران) .