كان قوة للإسلام، ولم تكن قوته مستمدة من التربية التي تلقاها أول إسلامه، بل هو الذي منح المسلمين القوة بإذن ربه.
فحمزة وعمر رضي الله عنهما كانا أصحاب بأس وعزم وقوة في الجاهلية، فلما أسلما سخرا هذه القوة للإسلام. لكنهما لم يكونا بحاجة إلى تربية خاصة ليكونا أقوياء. وبالمثل كان سيف الله المسلول خالد بن الوليد فارسًا بطبيعة الحال. وقبل إسلامه كان سيفًا مسلطًا على أعدائه. فكان هو الذي اكتشف ثغرة المسلمين في أحد فهجم عليهم وقتل خيارهم. إن خالد بن الوليد لم يصنع منه الإسلام سيفًا، وإنما جاء الإسلام ليشرفه بأن يكون سيف الله بدلًا من أن يكون سيف الكفر. فتربية خالد بن الوليد لم تستغرق وقتًا طويلًا حتى يكون مؤهلًا لقيادة جيوش المسلمين لأنه كفء لهذه المهمة.
لقد وصف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أبا ذر وصفًا رائعًا فقال: {ما أقلت الغبراء ولا أظلت الخضراء من رجل أصدق لهجة من أبي ذر} (1) . لقد صدح أبو ذر بالإسلام - عقب إسلامه في مكة - رغم أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - لم يأمره بذلك، فكان هذا النعت له بأنه صادق اللهجة، إذا عرف الحق صدح به. وهكذا كانت حال أبي ذر قبل أن تتدخل أي تربية جديدة لتصوغه، فإن أسلم فهو صادق في الحق، لا يخاف في الله لومة لائم.
إن عملية التربية لم تكن تستغرق زمنًا طويلًا قبل أن يؤذن للفرد بالعمل. فالعمل في ذاته تربية، وهذا الانتقال لمواجهة الواقع تربية. فليس هناك ارتباط شرطي بين التربية الطويلة و بين نتائج العمل و بين العمل الذي سيقام به.
يتبين لنا مما سبق عظم هذه القاعدة الجليلة. فخيار الناس في الجاهلية هم خيارهم في الإسلام. ولذلك فعلى الجميع أن يشاركوا في المشروع الإسلامي. أما التربية وتعلم العقيدة فتكون مع الحركة والبذل، وإلا فنحن نبتدع ما لم يقم به رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.
(1) سنن ابن ماجه