يجب عدم الهروب من العمل الجاد والبذل بحجة أن الأفراد لم يتربوا بعد. فالآليات الربانية العامة هي الأصل، والتي كان منها الصدع بالدعوة والجهاد والبذل على اختلاف المستويات التربوية. فالدعوة والبذل من الآليات العامة التربوية التي شرعها الله للأمة، وليست عملًا منفصلًا عن التربية. فالعمل والتضحية والقيام بالأعباء تربية -وتربية أساسية - أما التربية النظرية فإنها تأتي كداعم لهذا المشروع والعمل له على بصيرة. أما من يجلسون بالسنوات دون إنتاجية وعمل ينتظرون تحولًا ما في شخصياتهم ليبدأوا العمل؛ فهؤلاء واهمون وسيطول انتظارهم.
إن عملية التربية عملية ديناميكية فيها بدائل كثيرة, وهي رهينة الظروف والتحولات والأدوات المتاحة. ونحن اليوم في عصر الثورة التقنية. فالوسيلة المعرفية ووسائل نقل المهارات أصبحت متعددة وكثيرة. وقد يقول قائل أن التربية تحتاج إلى صحبة واقتداء. وهذا صحيح, لكن ليس بالضرورة أنها درس صغير في مكان مغلق, فالإنسان قد يصحب قادة النهضة والمتحركين في النهضة ويرى سلوكياتهم
ويقتدي بهم ويتعرف عليهم ويعاشرهم ما أتيحت له الفرصة (1) , وليس بالضرورة أن يجلس في جلسة مصغرة في شكل مستمر إلى أبد الآبدين بدعوى أنه قرر أن هذه هي الوسيلة الوحيدة للتعلم. وإن كان هذا ليس محرمًا وليس خطأً، ولكنه ليس من المطلقات أو المسلمات، فليس هذا هو الشكل الوحيد الذي يجب أن تتخذه التربية. فيمكن أن تكون لحركة النهضة حلق العلم والتفقه, ويمكن أن تكون لها مجالس التوجيه والوعظ, ويمكن أن تكون لها أشكال غير ذلك حسب الظروف والبيئات.
(1) في بعض الدول لا يستطيع العاملون أن يلتقوا بقادة النهضة ليتأثروا بهم، وعلى هؤلاء أن يختاروا الوسائل التي تناسبهم، لكن لا ينبغي أن تتحول وسائلهم إلى النموذج المثالي فتتبناه بعض قطاعات النهضة في أماكن أخرى رغم وجود أجواء من الحرية تمكنهم من الالتقاء بقادة النهضة.