ويتوهم البعض أن هناك قسطًا ما من التربية يجب أن يؤخذ قبل أن يمارس الناس العمل في المشروع من أجل تغيير الأوضاع القائمة. وهذا ابتداع لم يقم به الرسول - صلى الله عليه وسلم -، ويعبر عن سوء قراءة للسيرة، فالأسود الراعي أسلم ولم يسجد لله سجدة، واستعمله الرسول - صلى الله عليه وسلم - في مشروعه وفي ذروة سنامه"الجهاد"، فاستشهد ولم يسجد لله سجدة، ولم يؤخره النبي - صلى الله عليه وسلم - بحجة عدم استكمال التربية. وهذا خالد بن الوليد يحكي في قصة إسلامه قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لأخيه الوليد بن الوليد سائلًا عن خالد - رضي الله عنه:".. ولو كان جعل نكايته وجده مع المسلمين على المشركين لكان خيرًا له ولقدمناه على غيره". (1)
بل إن نعيم بن مسعود أسلم في غزوة الأحزاب، وكان المسلمون في مأزق شديد وجاء إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - يطلب منه أن يأمره بأي شيء يفعله. ترى ماذا قال له النبي - صلى الله عليه وسلم -؟! هل قال له اذهب إلى الصفوف الخلفية لتتربى على يد كبار الصحابة؟! لا، لقد أمره أن يخذل عن المسلمين ما استطاع، فاندس بين صفوف المشاركين وهو حديث عهد بالإسلام، لم يتلق بعد أي قدرٍ من التربية؛ بل ربما لم يحفظ ولو آية
واحدة. وبالفعل كان لهذا الصحابي الجليل فضلًا كبيرًا في جلاء الأحزاب حيث أوقع الشقاق بين قريش واليهود. لقد فعل ما لم يقم به أبو بكر أو عمر أو حتى النبي - صلى الله عليه وسلم - نفسه.
(1) انظر: البداية والنهاية (4/ 239، 240) ؛ التاريخ الإسلامي (7/ 95) .