فهرس الكتاب

الصفحة 54 من 119

لاشك أن الذين لازموا الرسول - صلى الله عليه وسلم - في مكة - مثل أبي بكر وعمر وعلي وغيرهم من الصحابة الأخيار - كانوا يتلقون الوحي منه ويتأثرون بسلوكه وتوجيهاته المباشرة. ولكن المتأمل في الجرعة التربوية التي تلقوْها قبل انطلاقهم لنصرة هذه الفكرة الجديدة يجد أنها يمكن أن تلخص في جملة واحدة:"أنهم آمنوا بفكرة الرسول - صلى الله عليه وسلم - وصدقوا أنه نبي مرسل من ربه". لكن هذا الإيمان لم تكن وراءه تفاصيل أو تفريعات كثيرة، حيث كان يتنزل الوحي ببطء حسب المواقف والأحداث. وسنجد أبا بكر ينطلق لنصرة الفكرة الجديدة والدعوة لها، فيسلم على يديه خمسة من العشرة المبشرين بالجنة، (1)

ويعتق العبيد، ويقف لقريش يحول بينها وبين إيذاء رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. ولم يكن وراء كل هذا الفعل الضخم وتلك الممارسات الفعالة سوى بعض من قصار السور وبعض الآيات، بالإضافة إلى التلقي المباشر من شخص رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.

ومن الأمور العجيبة أن حمزة بن عبد المطلب وعمر بن الخطاب رغم أنهما أسلما في نهاية العام الخامس من البعثة إلا أنهما سبقا في أدائهما ونصرتهما للمشروع الإسلامي الكثير ممن رافقوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - منذ اليوم الأول وتربوا على يديه الشريفتين. قال ابن مسعود: إن إسلام عمر كان فتحًا، وإن هجرته كانت نصرًا، وإن إمارته كانت رحمة، ولقد كنا ما نصلي عند الكعبة حتى أسلم عمر، فلما أسلم قاتل قريشًا حتى صلى عند الكعبة وصلينا معه. (2) فما الذي تربى عليه عمر رضي الله عنه حتى يتأهل للقيام بهذه المهمة، التي لم يستطع أن يقوم بها من سبقه من الصحابة والذين سبقوه في التربية كذلك.

(1) أسلم على يد أبي بكر الصديق عثمان بن عفان، وعبد الرحمن بن عوف، ويعد ابن أبي وقاص، والزبير بن العوام، وطلحة بن عبيد الله.

(2) السيرة النبوية لابن هشام (1/ 365) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت