يتبين لنا مما سبق أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يحدد جرعة تربوية يجب على المسلم أن يأخذها قبل أن يلتحق بالعمل في المشروع الإسلامي - اللهم إلا الشهادتين - ثم يستكمل تربيته في غمار الأحداث.
2 -القسم الثاني:
الذين أخذوا الأمر من الرسول - صلى الله عليه وسلم - بترك مكة وهؤلاء صنفان:
صنف بعثه الرسول - صلى الله عليه وسلم - إلى الحبشة بعد سنتين من جهرية الدعوة وقال لهم - صلى الله عليه وسلم:"لو خرجتم إلى أرض الحبشة فإن بها ملكًا لا يظلم عنده أحد وهي أرض صدق حتى يجعل لكم فرجًا مما أنتم فيه" (1) .
وصنف أسلم وعاد إلى قبيلته يدعوها، ثم عاد إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - في المدينة بعد أن أظهره الله.
والذي يتأمل في إرسال الرسول - صلى الله عليه وسلم - لصحابته إلى الحبشة - وهم ما زالوا حديثي عهد بالإسلام - يتبادر إلى ذهنه مجموعة من التساؤلات:
ما المدة الزمنية التي قضاها الصحابة في الحبشة؟
من الذي كان يربيهم في الحبشة طوال هذه الفترة؟
ألم يكن أهلها يدينون بالنصرانية التي قد تفتن المسلمين؟!
لقد كانت الهجرة في السنة الخامسة من البعثة، وعلى أفضل التوقعات فإن الوحي كان يصل للمسلمين في الحبشة بشكل أو بآخر، لكن شخص النبي - صلى الله عليه وسلم - - المربي- لم يكن معهم. وقد ضمت هجرة الحبشة الثانية حوالي ثلاثةً وثمانين رجلًا وثماني عشرة امرأة. وإذا تأملت هذا العدد فستجده يتكون من مجموعة كبيرة وكتلة ضخمة من الذين أسلموا. وها هو الرسول - صلى الله عليه وسلم - يبعدهم عنه وعن محضنه التربوي لمدة تقرب من الخمسة عشرة سنة، ليعودوا مرة أخرى إليه بعد فتح خيبر في السنة السابعة من الهجرة.
(1) الهجرة في القرآن الكريم، أحزمي سامعون، ص 290.