وتأمل قوله تعالى: {فاتّبِعُونِي يحببكُمُ الله، ويغفِر لكُم ذُنُوبَكُم} آل عمران 31 أي الشأن في أن الله يحبّكم، لا في أنكم تدّعون حبّه، وهذا لا تنالونه إلا باتباع الحبيب المصطفى - صلى الله عليه وسلم -.
وتتصاعد المحبة حتى تبعث على إيثار الحق على غيره، وتُلهِج اللسان بذكره، فهي لكمالها وقوتها، تقتضي من المحب أن يترك لأجل الحق ما سواه، فيؤثره على غيره، ولا يؤثر غيره عليه، ويجعل اللسان لَهِجًا بذكره، فإن من أحبّ شيئًا أكثر من ذكره حتى كأنّه لا يشاهد غيره ولا يراه.
ـ وإنما تنال هذه المحبّة من مطالعة صفات الله تعالى: بإثباتها أولًا، ومعرفة معانيها بنفي التحريف والتعطيل، والتمثيل والتكييف عن معانيها ونصوصها ثانيًا، والتذوّق لمعانيها بالتفكر في بديع الصنع، وجليل الحكمة، وعظيم اللطف والرحمة ثالثًا، فلا يصحّ للعبد مطالعة الصفات الباعثة على المحبة الصحيحة إلا بهذه الأمور الثلاثة، وكلما أكثر قلبه من مطالعتها، ومعرفة معانيها والتذوّق لآثارها: ازدادت محبته للموصوف بها، وعظمت هيبته في قلبه وإجلاله.
وتزداد المحبّة تصاعدًا بالنظر إلى الآيات نظر التفكّر والاعتبار: آيات الله المشهودة، وآياته المسموعة، وكلٌّ منهما داعٍ قويٌّ إلى محبّته سبحانه، لأنّها أدلّة على صفات كماله، ونعوت جلاله، وودلائل على توحيد ربوبيته وإلهيته، وبراهين على حكمته وعلمه، وإحسانه وعفوه، وجوده وحلمه.