ولا قبل المحبّة مقام إلاّ وهو مقدّمة من مقدّماتها؛ كالتوبة والصبر والزهد وغيرها .. وسائر المقامات إن عزّ وجودها، فلم تخل القلوب عن الإيمان بإمكانها، وأمّا محبّة الله تعالى فقد عزّ الإيمان بها حتّى أنكر بعض العلماء إمكانها، وقال: لا معنى لها إلاّ المواظبة على طاعة الله تعالى، وأمّا حقيقة المحبّة فمحال إلاّ مع الجنس والمثال .. ولمّا أنكروا المحبّة أنكروا الأنس والشوق، ولذّة المناجاة وسائر لوازم الحبّ وتوابعه، ولابدّ من كشف الغطاء عن هذا الأمر .." [1] ."
وقد أرجع الإمام الغزاليّ أسباب الحبّ إلى خمسة أسباب:
1 ـ حبّ الإنسان وجود نفسه، وكماله وبقاءه.
2 ـ وحبّه من أحسن إليه فيما يرجع إلى دوام وجوده، ويعين على بقائه، ودفع المهلكات عنه.
3 ـ وحبّه من كان محسنًا في نفسه إلى الناس، وإن لم يكن محسنًا إليه.
4 ـ وحبّه لكلّ ما هو جميل في ذاته، سواء حبّه أكان من الصور الظاهرة أو الباطنة.
5 ـ وحبّه لمن بينه وبينه مناسبة خفيّة في الباطن.
فلو اجتمعت هذه الأسباب في شخص واحد تضاعف الحبّ لا محالة، كما لو كان للإنسان ولد جميل الصورة، حسن الخلق، كامل العلم، حسن التدبير، محسن إلى الخلق، ومحسن إلى الوالد، كان محبوبًا لا محالة غاية الحبّ، وتكون قوّة الحبّ بعد اجتماع هذه الخصال بحسب قوّة هذه الخلال في نفسها، فإن كانت هذه الصفات في أقصى درجات الكمال كان الحبّ لا
(1) ـ إحياء علوم الدين 4/ 294/.