ثم إنّ هؤلاء الرّجال هم من أعيان المئة الثالثة والرّبعة حين كانت الصوفيّة تطلق أيضًا على أهل الزّهد والصّلاح والتقوى في الغالب , والإمام النووي عندما يقول عن شخص معتبر عنده إنه من الصوفيّة فهو يقصد التصوّف المحمود الذي وصفه في كتابه النافع (كتاب المقاصد) قائلًا: أصول طريق التصوّف خمسةُ:
1_ تقوى الله في السِّرِّ والعلانية.
2_ واتّباع السُّنَّة في الأقوال والأفعال.
3_ والإعراض عن الخلق في الإقبال والإدبار.
4_ والرِّضا عن الله تعالى في القليل والكثير.
5_ والرّجوع إلى الله في السَّرَّاءِ والضرَّاء. انتهى (1)
ولا أعلم أحدًا اعترض على هذا الكلام وإنمّا الاعتراض كان وما يزال على المخالفين لهذه الأصول من الصوفيّة , والانتقاد الذي يوجّه للصوفيّة إنما هو لانحرافاتهم ومخالفتهم للشرع الحنيف , وليس لأنّهم زهاد أو عبّاد أو أهل ذكر وصلاح!
وحاشا للإمام النووي أن يثني على رجل عرف عنه أنّه يخالف الشرع في مسأله ما. وقد قال النووي: (( أصول الدِّين أربعة: الكتابُ والسنُّة والإجماع والقياس المعتبران. وما خالف هذه الأربعة فهو بدعةُ ومرتكبُه مُبتدع , يتَعَيَّنُ اجتنابه وزجرهُ. ومن المطلوب اعتقاد من علم وعمل ولازم أدب الشريعة , وصحب الصّالحين. وأمّا من كان مسلوبًا عقلهُ أو مغلوبًا عليه , كالمجاذيب , فنسلّم لهم ونفوّض إلى الله شأنهم , مع وجوب إنكار ما يقع منهم مخالفا لظاهر الأمر , حفظًا لقوانين الشَّرع ) )انتهى (2)
فلماذا يخلط الجفري بين الأمرين ويقلب الحقائق؟
(1) كتاب المقاصد في بيان العقائد وأصول الأحكام للإمام النووي (ص 92) .
(2) المرجع نفسه (ص 34 , 35) .