وأقول: إنّ الذي يدفعني للوقوف عند هذه المسائل هو الفكرة المغلوطة التي يحاول أن يرسّخها في أذهان الناس , وليس الحديث عن الصوفيّة بحدَّ ذاتها , فكلمة الصوفيّة تعني طائفة من الناس فيهم الصالح وفيهم الطالح , فلا يمكن أن تكون كلمة مدح بإطلاق , وهذا المعنى واضح عند علماء الإسلام , وقول الجفري إنّ الإمام النووي إذا أراد أن يُثني على أحد قال عنه وكان صوفيًا , غير صحيح بل هو تقوُّلُ من الجفري على الإمام النووي! وهذا لا يجوز كما لا يجوز التّقول على الله وعلى رسوله - صلى الله عليه وسلم -. وإذا عدنا إلى كلام النووي في مقدمة شرحه لصحيح مسلم نجده لم يذكر كلمه الصوفية إلا في ترجمه اثنين من رجال سنده فقط , وفي كلتا الترجمتين كان ينقل الكلام عن غيره وليس في الكلام سوى ذكر حال الرّجل , أمّا الأول وهو محمد بن الفضل الفراوي فقد روى عن عبد الغافر أنه ذكره فقال: هو فقيه الحرم البارع في الفقه والأصول الحافظ للقواعد , نشأَ بين الصوفيّة في حجورهم ووصل إليه بركات أنفاسهم. وأمّا الثاني فهو محمد بن عيسى الجُلودي وقد روى عن الحاكم أنه قال فيه: كان شيخًا صالحًا زاهدًا من كبار عُبّاد الصوفيّة. انتهى (1)
فكما هو واضح أنّ كلمات الثّناء هي قولهم: فقيه الحرم البارع في الفقه الأصول الحافظ للقواعد , وكان شيخًا صالحًا زاهدًا , أمّا قولهم نشأَ بين الصوفية في حجورهم ووصل إليه بركات أنفاسهم , ومن كبار عُبّاد الصوفيّة , فالثّناء فيه ليس على مطلق الصوفيّة وإنّما لكونه وصلت إليه بركات أنفاسهم , لا انحرافاتهم , أو لكونه من عُبّادهم وليس من فسّاقهم!
(1) انظر شرح صحيح مسلم للنووي (1/ 112) .