وعلى كلّ حال فإنّ الخلاف في تحديد من آمن بموسى عليه السلام ليس هو الشاهد الذي نريد، إنّما أردت توضيح معنى الآية ليُفهم الشاهد منها، وهو أنّ الآية دلّت أنّ من آمن- حين آمن- كان على خوف من فرعون أن يفتنهم بالعذاب، فيصدهم ويصرفهم عن دينهم ويحملهم على الرجوع عن إيمانهم والكفر بالله، وإنّما أسند الفعل إلى فرعون خاصة لأنّه الآمر بالتعذيب [1] .وبهذا تظهر شخصية فرعون الإستبدادية، وفي مقابلها فئة قليلة آمنت على خوف ووجل منه، وأخرى أعرضت عن الإيمان بالكلية!
ليس هذا فحسب فهناك نموذج آخر أفرزته شخصية فرعون الإستبدادية وهو كتمان الإيمان، يقول تعالى:''وقال رجل مؤمن من آل فرعون يكتم إيمانه أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله وقد جاءكم بالبينات من ربكم'' [2] ، (أي يُسّر إيمانه من فرعون وقومه خوفا على نفسه) [3] .
وهكذا سلك النّاس سلوك التخفي في ظلّ شخصية مستبدة، عقدتها وسرّ استبدادها يكمن في تصورها أنّها إله ورب! فنمى بسببها التخفي والحذر، وحيثما يوجد الإستبداد توجد الحركات السّريّة، تلك الحركات التي لم تجد لنفسها مكانا فوق الأرض فاختارت العمل من وراء الحجب، وأكثر ما يكون هذا في دعوات الحق التي يحملها الأنبياء وأتباعهم، فدعوة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم بدأت سرا، وكلما تمّ التضييق علينا كلما ذهبنا نحو السريّة والتّخفي وسيلة منّا لاتقاء شرّ المستبد.
ومن شدة استبداد فرعون استنكاره على السحرة إيمانهم بدون إذن منه،''آمنتم له قبل أن آذن لكم'' [4] ،فالكلمة في عهد فرعون تحتاج إلى ترخيص وإذن من الحكومة! ومن العجيب أن يدور الزمان فيجتهد بعض المسلمين في الحصول على ترخيص لمجلة أو جريدة فلا تسمح لهم الحكومة.تشابهت أخلاقهم!
وبلغ الإستبداد في عهد فرعون أن سلك النّاس السريّة في صلاتهم، يقول تعالى:''وأوحينا إلى موسى وأخيه أن تبوءأ لقومكما بمصر بيوتا واجعلوا بيوتكم قبلة [5] واقيموا الصلاة'' [6] ،حيث
(1) انظر: روح المعاني (11/ 168) وتفسير النسفي (2/ 138) وتفسير ابي السعود (4/ 170،171) وتفسير الطبري (11/ 150،151) وتفسير القرطبي (8/ 369،370) وتفسير البيضاوي (3/ 211) .
(2) [غافر:28] .
(3) تفسير الطبري (24/ 57) .
(4) [طه:71] .
(5) (واجعلوا بيوتكم قبلة) أي: واجعلوا بيوتكم مساجد تصلون فيها. وهو ما اختاره ابن جرير وذلك-كما يقول- (إنّ الأغلب من معاني البيوت-وإن كانت المساجد بيوتا-البيوت المسكونة إذا ذكرت باسمها المطلق دون المساجد، لأنّ المساجد لها اسم هي به معروفة خاص لها وذلك المساجد. فأمّا البيوت المطلقة بغير وصلها بشيء ولا إضافتها إلى شيء فالبيوت المسكونة، وكذلك القبلة الأغلب من استعمال الناس إياها في قبل المساجد وللصلوات، فإذا كان ذلك كذلك، وكان غير جائز توجيه معاني كلام الله إلا إلى الأغلب من وجوهها المستعمل بين أهل اللسان الذي نزل به دون الخفي المجهول ما لم تأت دلالة تدل على غير ذلك، ولم يكن على قوله واجعلوا بيوتكم قبلة دلالة تقطع العذر بأن معناه غير الظاهر المستعمل في كلام العرب، لم يجز لنا توجيهه إلى غير الظاهر الذي وصفنا، وكذلك القول في قوله: قبلة وأقيموا الصلاة) تفسير الطبري (11/ 156،155،153) .
(6) [يونس:87] .