الفصل الخامس
الكيفية التي أرشد إليها القرآن لمواجهة فرعون
يأتي هذا الفصل في سياقه الطبيعي بعد أن ذكرنا خصائص ووسائل وأسباب وآثار شخصية فرعون، فمن الطبيعي أن يطرأ في الذهن تساؤل عن كيفية مواجهة هذه الشخصية، وهو تساؤل طبيعي يأتي متناسقا مع ما مرّ ذكره، ثمّ إنّ تشخيص المرض لا يكفي دون وصف العلاج، فكثيرا ما يُسهب بعض المشتغلين في الدعوة بوصف الأمراض دون ذكر العلاج لها، من هنا تأتي أهمية هذا الفصل. ولفهم كيفية المعالجة والمواجهة لا بدّ من الإشارة إلى أمرين مهمين:
الأول: أنّ موسى عليه السلام أُمر أن يذهب إلى فرعون الذي طغى وبغى وآثر الحياة الدنيا ونسي الرب الأعلى .. وكان حال القوم من حول فرعون شراذم، قسم يسير مع فرعون مشاركا ومؤازرا، وقسم تعود الخضوع والخنوع، حيث أذلهم الإستعباد الطويل وأفسد فطرتهم، وأضعف استعدادهم للمقاومة، فالحالة في غاية الإنحطاط والهبوط.
الثاني: أنّ كيفية المواجهة ترتبط بالغايات المرادة من تلك المواجهة. فموسى عليه السلام كانت له مهمة، مفادها إرسال بني إسرائيل من قبضة فرعون والكف عن تعذيبهم، وذلك ما يُرشد إليه قوله تعالى:''فأتياه فقولا إنّا رسولا ربك فأرسل معنا بني إسرائيل ولا تُعذبهم قد جئناك بآية من ربك والسلام على من اتبع الهدى، إنّا قد أوحي إلينا أنّ العذاب على من كذّب وتولى'' [1] .وقوله تعالى:''فأتيا فرعون فقولا إنّا رسول رب العالمين، أن أرسل معنا بني إسرائيل'' [2] .أي (أطلقهم ولا تعذبهم بالتكاليف الصعبة وقتل الولدان، فإنّهم كانوا في أيدي القبط يستخدمونهم ويتعبونهم في العمل، ويقتلون ذكور أولادهم في عام دون عام، وفي هذا دليل على أن تخليص المؤمنين من الكفرة أهم من دعوتهم إلى الإيمان ويجوز أن يكون للتدريج في الدعوة) [3] .
(1) [طه:47 - 48] .
(2) [الشعراء:16 - 17] .
(3) تفسير البيضاوي (4/ 52 - 53) .