فهرس الكتاب

الصفحة 177 من 259

يخرجاكم من أرضكم بسحرهما ويذهبا بطريقتكم المثلى'' [1] ،فماذا عسى أن يكون موقف الجماهير؟! فهم على دين الحكومة سائرين.

ليس هناك سوى صوت واحد تردده الجماهير ولا تعي معانيه وأهدافه، إنّه صوت فرعون ومن تكلم بلسانه، ومع مرور الزمن تعطلت عقولهم وتخدرت، حتى صاروا أبواقا تردد مقولة النّظام الحاكم بلا وعي أو بصيرة، لا يسمعون إلاّ دعاء ونداءا، حتى صح القول أنّهم ميّتون ليس فيهم حياة، لأنّ المجتمع الحيّ هو الذي يقوّم الأخطاء ويصحح العوج ويحاسب الحكومة، ولا يكون هذا إلاّ إذا كان مجتمعا يستمدّ قيمه من الله سبحانه وتعالى.

ثانيا: استمراء الذل

والإستمراء لغة من استمرأ، يُقال: (مرئ الطعام استمرأه) [2] و (وطعام مرئ هنيء) [3] .وأعني بذلك أن يصبح الذلّ مستساغا مستطابا، فلا يشعر المستذل بوجعه ولا ألمه، وهو نتيجة ملازمة لما تعرضت له الجماهير في ظلّ شخصية فرعون من إذلال وقهر متواصل مستمر ومتعدد الوجوه، حتى إنّ القرآن الكريم وصف فرعون بالعذاب المهين وذلك في قوله تعالى:''ولقد نجّينا بني إسرائيل من العذاب المهين، من فرعون [4] ،إنّه كان عاليا من المسرفين'' [5] .والشاهد في الآية أنّ بني إسرائيل تعرضوا للعذاب المهين، أي المذل لهم، وهو استعبادهم وقتل أبنائهم واستحياء نسائهم وتسخيرهم وتكليفهم الأعمال الشاقة المتعبة، وكفى بذلك إهانة لهم وإذلالا [6] .

إنّ العيش في ظلّ الطاغوت أمدا طويلا ومعاناة الإرهاب والخوف والملاحقة والمطاردة والسجون أفسد نفوسهم وقلوبهم وطبائعهم، وأدى إلى إنعكاسات نفسية خطيرة حيث تعودوا على هذا الذل وهذه الإهانة فلم يعودوا يفكرون في التمرد عليها، فقد استمرأوا الذل فأصبح في نفوسهم أمرا طبيعيا، ولهذا رفض بنو إسرائيل القتال مع موسى عليه السلام، وقالوها صريحة حين استنفرهم موسى

(1) [طه:63] .

(2) مختار الصحاح، مادة: مري (259) .

(3) لسان العرب، مادة: مرأ (1/ 155) .

(4) (من فرعون: هو بدل من العذاب باعادة الجار أي من عذاب فرعون ويجوز أن يكون جعل فرعون نفسه عذابا) التبيان في إعراب القرآن (2/ 229) .

(5) [الدخان:30 - 31] .

(6) انظر: تفسير البيضاوي (5/ 161) وتفسير ابن كثير (4/ 144) ومعاني القرآن (6/ 406) وتفسير الواحدي (2/ 984) وزاد المسير (7/ 347) وروح المعاني (25/ 125) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت