تزجرهم تلك الآيات ولم تعظهم تلك العبر والبينات) [1] ؛ذلك أنّهم تعرضوا إلى مسخ في الفكر والوعي، فلا علم عندهم ولا معرفة. ممّا يؤكد لنا أن المرض قد استقرّ في قلوبهم وعقولهم، يقول تعالى:''وأشربوا في قلوبهم العجل [2] '' [3] .أي (تداخلهم حبه، ورسخ في قلوبهم صورته لفرط شغفهم به، كما يتداخل الصبغ الثوب والشراب أعماق البدن) [4] ،وهكذا وصل جهلهم حدّ الإشباع والتّشبع! فما أن تركهم موسى أياما معدودات حتى عاد إليهم وقد عبدوا العجل من دون الله، ممّا يكشف عن مدى ما أصابهم من الخلل النّفسي والسفه العقلي والفساد الفكري،
يقول تعالى:''ولقد جاءكم موسى بالبينات ثم اتخذتم العجل من بعده وأنتم ظالمون'' [5] .فمع ما تعرضوا له من استجهال لا يُعفيهم من المسؤولية بعدما تبيّن لهم الحق. فكل من علم الحق وجب عليه اتباعه، ومن أعرض عنه فهو من الظالمين.
ومن الشواهد الدّالة على هذا الضلال قَسَمُ السحرة بعزة فرعون، أي (بقوة فرعون وشدة سلطانه ومنعة مملكته) [6] .يقول تعالى حكاية لقولهم:''وقالوا بعزة فرعون إنّا لنحن الغالبون'' [7] .فهذا يدلّ على أنّ فرعون قد عظم في نفوسهم حتى وصل الأمر بهم أن يقسموا بعزته! ولو كان عندهم أدنى رويّة لما تفوهوا بمثل تلك العبارة، وهم الذين يمثلون طبقة رجال الدّين، وهي الطبقة التي يعتبرها النّاس قدوتهم ومثالهم الذي يحتذى به. فكيف سيكون الحال فيما دونهم من الطبقات التي لا تتقن غير التقليد الأعمى؟!
إنّ المشهد المأساويّ ظاهر في ترديد مقولة فرعون دون تفكير أو نظر حين''قال للملأ حوله إنّ هذا لساحر عليم، يريد أن يخرجكم من أرضكم بسحره فماذا تأمرون'' [8] .فردّد الصمّ العمي مقالته وكأنّها أمّ الحقائق! فالملأ يرددون قولته:''قال الملأ من قوم فرعون إنّ هذا لساحر عليم، يريد أن يخرجكم من أرضكم فماذا تأمرون'' [9] .والسحرة يتبنون موقفه،''إن هذان لساحران يريدان أن
(1) تفسير الطبري (9/ 45) .
(2) وليس المقصود هو ذات العجل (وإنما هو حب العجل) المحاسبي: أبو عبد الله، الحارث بن أسد بن عبد الله، (165 - 243 هـ) ،فهم القرآن ومعانيه، جزء واحد، تحقيق: حسين القوتلي، ط 2،دار الكندي، دار الفكر، بيروت،1398 هـ. (487) ،وسأشير إليه لاحقا هكذا (فهم القرآن) .
(3) [البقرة:93] .
(4) تفسير البيضاوي (1/ 362 - 363) .
(5) [البقرة:92] .
(6) تفسير الطبري (19/ 72) .
(7) [الشعراء:44] .
(8) [الشعراء:34 - 35] .
(9) [الأعراف:109 - 110] .