فهرس الكتاب

الصفحة 93 من 259

في ذلك اليوم) [1] ،،كما قال تعالى:''والوزن يومئذ الحق فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون، ومن خفت موازينه فأولئك الذين خسروا أنفسهم بما كانوا بآياتنا يظلمون'' [2] .

إنّ الذي لا يؤمن بالبعث والنّشور لا يؤمن أنّ هناك حياة أخرى، وبتصوره هذا يعتبر هذه الحياة فرصته الوحيدة، فيكون جشعا في اغتنام فرصته الوحيدة-حسب تصوره واعتقاده-،وسيعمل بكل ما أوتي من قدرة على استغلال فرصته الوحيدة، فهو نفعيّ مادي لايرى رسالة له سوى تحقيق أكبر قدر من اللذة، وهذا سبب في انتشار العقلية النّفعية في العالم، بل وسبب في نشوء مذهب الرأسمالية. فما دام الإنسان لا يؤمن بالحياة الأخرى فلن يتوانى في سبيل تحقيق رغباته ومطالبه بأي وسيلة كانت لإشباع نهمه، وهو يرى فرصته الوحيدة تأكلها الأيام والسنون .. فتغيب الأخلاق حتما لأنّ ما لا يحقق لذة أو يجلب منفعة لا يُقبل في حياتهم.

إنّ أيّ خلل في العقيدة له آثار سلبية، ومثال ذلك ما حصل لبني إسرائيل حين اعتقدوا أنّهم لن يُعذّبوا في النار إلاّ أياما معدودات،''ذلك بأنهم قالوا: لن تمسنا النّار إلا أياما معدودات وغرّهم في دينهم ما كانوا يفترون'' [3] أي (بما كانوا يختلقون من الأكاذيب والأباطيل في ادعائهم أنهم أبناء الله وأحباؤه، وأنّ الله قد وعد أباهم يعقوب أن لا يدخل أحدا من ولده النّار إلا تحلة القسم) [4] ،فحملهم ذلك التصور الأخرق على ارتكاب المعاصي، وجرَّأهم على مخالفة الحق حتى صاروا مثلا للمنحرفين والفاسقين، وأدى ذلك بهم إلى تحريف كتب الله وقتل الأنبياء ... فكيف إذا علمنا أنّ كفر فرعون أغلظ من كفرهم وأسوأ؟!

من هنا ندرك خطورة ما تقوم به الجاهلية اليوم من إبعاد النّاس عن دينهم سواء كان هذا الإبعاد بإنكار الخالق كما في الفكر الشيوعي، أو بإهمال القضية الغيبية وحصرها في زاوية محدودة، وذلك بفصل الدّين عن الحياة كما في العلمانية، أو بِحَثِّ النّاس على عدم احترام الدّين وجعله صورة باهتةً لا أثر له في واقع حياتهم ... لأنّ هذا الإقصاء للدّين هو السبب وراء انتشار الجرائم الكبرى التي تمارسها السلطات الحاكمة، والجرائم الصغرى التي يمارسها العالم السفلي! فهناك الرشوة والمحسوبية والصفقات المشبوهة والمخدرات والسرقة والغش والاحتكار ... وكلّ ذلك آثار المرض، أمّا سبب المرض فهي ضعف الإيمان أو انعدامه في القلوب.

(1) ياسين: محمد نعيم، الإيمان أركانه حقيقته نواقضه، جزء واحد، ط 3،الطابعون، جمعية عمال المطابع التعاونية، عمّان،1402 هـ،1982 م. (74 - 75) .

(2) [الأعراف:8 - 9] .

(3) [آل عمران:24] .

(4) تفسير الطبري (3/ 219) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت