فهرس الكتاب

الصفحة 30 من 259

المبحث الأول

الاستكبار [1] .

(الاستكبار: الامتناع عن قبول الحق معاندة وتكبرا) [2] ،وليس الإمتناع جهلا أو لقلة علم أو معرفة أو لاشتباه الأمر عليه، بل هو الإمتناع مع العلم أنّ ما رفضه وأنكره هو الحق الساطع المبين، وذلك هو ما تميّزت به شخصية فرعون؛ الامتناع عن قبول الحق عن بيّنة وعلم، فلا شبهة ولا غبش ولا غشاوة. ولقد علم-لعنه الله-لو كان العلم يجدي-الحقّ وتنكّب عن سبيله، بل وحاربه بلا هوادة.

و (أصل الاستكبار طلب الكبر من غير استحقاق، لابمعنى طلب تحصيله مع اعتقاد عدم حصوله، بل بمعنى عد نفسه كبيرا واعتقاده كذلك. وإنما عبّر عنه بما يدل على الطلب للإيذان بأنّ مآله محض الطلب بدون حصول المطلوب) [3] ؛ أي يحسبون أنفسهم كبارا فيظلمون الناس، ويغصبون حقوقهم لمجرد أنّهم أوتوا قدرا من القوة.

وبسبب هذه النّظرة الإستكبارية التي ميزت فرعون ومن حوله فإنهم (رأوا كل من سواهم حقيرا بالإضافة إليهم ولم يروا العظمة والكبرياء إلاّ لأنفسهم، فنظروا إلى غيرهم نظر الملوك إلى العبيد في الأرض) [4] ؛ذلك أنّ الاستكبار هو (الأنفة مما ينبغي أن لا يؤنف منه) [5] ،ممّا أسس لنظام الطبقات في ظلّ شخصية فرعون؛ بمعنى أنّ الإستكبار سبب في ظهور الطبقية في المجتمع، كما أنّه إذا استحكم في النّفس يحجب صاحبه عن الحقيقة، وبهذا نفسر وقوع فرعون بالعديد من الأخطاء في مواجهته لموسى.

(1) (الكبر بالكسر و الكبرياء العظمة والتجبر ... و التكبر و الاستكبار التعظم) لسان العرب، مادة: كبر (5/ 129) .وانظر: مختار الصحاح، مادة: كبر (1/ 234) . أمّا الكبر (فهو صفة في النفس، وما في الظاهر من إماراتها: وهو أن يرى نفسه فوق الغير في صفات الكمال، فيحصل في قلبه اغترار وهزة وفرح وركون إلى رؤية نفسه. والتكبر إما على الله تعالى والعياذ بالله من ذلك، كتكبر فرعون ونمرود، وإما على الرسل والانبياء بأن لا يطيعهم، كتكبر أبي جهل وأبي بن خلف، وأما على الخلق وهذا وإن كان دون الاولين إلا أنه داء عظيم، ولهذا ذمه الله تعالى ورسوله، والكتاب والسنة مشحونان بذمه ومدح التواضع) القنوجي: صديق بن حسن، (1248 - 1307 هـ) ،أبجد العلوم الوشي المرقوم في بيان أحوال العلوم،3 أجزاء، تحقيق: عبد الجبار زكار، دار الكتب العلمية، بيروت،1978 م. (2/ 88) ،وسأشير إليه لاحقا هكذا (أبجد العلوم) .وانظر: ابن حجر: أبو الفضل، أحمد بن علي العسقلاني. (773 - 852 هـ) ،فتح الباري شرح صحيح البخاري،13 جزء، تحقيق: محمد فؤاد عبدالباقي ومحب الدين الخطيب، دار المعرفة، بيروت،1379 هـ. (10/ 489) مع بعض التصرف، وسأشير إليه لاحقا هكذا (فتح الباري) .

(2) لسان العرب، مادة: كبر (5/ 126) .

(3) روح المعاني (6/ 41) .

(4) روح المعاني (20/ 82) .

(5) النّووي: أبو زكريا، يحيى بن شرف بن مري، (631 - 676 هـ) ،تحرير ألفاظ التنبيه (لغة الفقه) ،جزء واحد، تحقيق: عبد الغني الدقر، ط 1،دار القلم، دمشق،1408 هـ. (1/ 334) ،وسأشير إليه لاحقا هكذا (التنبيه) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت