المبحث الثامن
الإسراف
الإسراف لغة من (سرف: والسرف الإسراف مجاوزة القصد، وأسرف في ماله عجل من غير قصد، وأما السّرف الذي نهى الله عنه فهو ما أنفق في غير طاعة الله قليلا كان أو كثيرا، والإسراف في النفقة التبذير) [1] .وقالوا: الإسراف (إنفاق المال الكثير في الغرض الخسيس وتجاوز الحد في النفقة، وقيل: أن يأكل الرجل ما لا يحل له، أو يأكل مما يحل له متجاوزا حدّ الاعتدال ومقدار الحاجة. وقيل: الإسراف تجاوز في الكمية، فهو جهل بمقادير الحقوق، وصرف الشيء فيما ينبغي زائدا على ما ينبغي بخلاف التبذير) [2] .
والإسراف في اصطلاح المفسرين (الإفراط في الشيء، يقال: أسرف فلان في هذا الأمر إذا تجاوز مقداره فأفرط) [3] ، (وأصل الإسراف تجاوز الحد المباح إلى ما لم يبح، وربما كان ذلك في الإفراط وربما كان في التقصير، غير أنّه إذا كان في الإفراط فاللغة المستعملة فيه أن يقال: أسرف يسرف إسرافا، وإذا كان كذلك في التقصير فالكلام منه سرف يسرف سرفا، يقال: مررت بكم فسرفتكم، يراد منه فسهوت عنكم وأخطأتكم) [4] .
وقبل أن نورد الأدلة على إسراف فرعون لا بدّ من الإشارة أن هناك فروقا بين الطغيان والإسراف اللذين تميّزت بهما شخصية فرعون. فالطغيان مجاوزة الحدّ في العصيان، بينما الإسراف تجاوز الحدّ المباح إلى ما لم يبح [5] .ثمّ إنّ الطغيان ليس مجرد ارتكاب للجريمة والمعصية بل المبالغة فيها، فالقتل معصية والتّقتيل طغيان في القتل، بينما الإسراف هو الإستكثار من المعاصي، فليس هو يقتل فحسب إنّما يتعدى ذلك إلى معاص عديدة أخرى، كالإذلال وأخذ أموال
(1) لسان العرب، مادة: سرف (9/ 148) .وفي مختار الصحاح:) الإسراف من الفعل سرف، والسّرف بفتحتين ضد القصد والسرف أيضا الضراوة ... وقيل هو من الإسراف، و الإسراف في النفقة التبذير).مختار الصحاح، مادة: سرف (125) .
(2) التعاريف (1/ 38) .
(3) تفسير الطبري (4/ 120) .
(4) تفسير الطبري (4/ 254) ،وانظر: روح المعاني (4/ 207) .
(5) كما هو الحال عند قوم لوط عليه السّلام حيث نعتهم الحق جلّ شأنه بالإسراف: (لنرسل عليه حجارة من طين، مسومة عند ربك للمسرفين) [الذاريات:33 - 34] ،وذلك لأنّهم تجاوزوا المباح من النّساء إلى ما لم يبح من الرجال، وذلك بيّن في قوله تعالى: (إنّكم لتأتون الرجال شهوة من دون النّساء بل أنتم قوم مسرفون) [الأعراف:81] ،إذ يريقون طاقتهم في غير موضع الإخصاب، فهو تفريط منهم بهذه الطاقة.