واختلفت الرواة في نسبه، (فقالوا: هو رجل من لخم، وقالوا: من غيرها من قبائل اليمن، وقالوا: من العمالقة، وقالوا: من قبط مصر يقال له ظلما، وهو الذي كان من أمره مع موسى ما قد قصه الله جل وعز) [1] .
كان فرعون يوسف (هو الريّان بن الوليد، أحضر يوسف من السجن، واستخلصه لنفسه، وحمله وخلع عليه وضرب له بالطبل، وأشاع أن يوسف خليفة الملك، فقام له في الأمر كله) [2] ،وقد (آمن بيوسف عليه السلام ومات في حياته، وقيل: كان هو فرعون موسى عاش أربعمائة سنة، بدليل قوله تعالى:''ولقد جاءكم يوسف من قبل بالبينات'' [3] ،والمشهور أنّه من أولاد فرعون يوسف [4] ،والآية-''ولقد جاءكم يوسف من قبل بالبينات''-من قبيل خطاب الأولاد بأحوال الآباء) [5] .
فكيف يصح القول أنّ فرعون موسى عليه السلام هو فرعون يوسف عليه السلام؟ مع أنّ فرعون يوسف عليه السلام مؤمن، وفرعون موسى عليه السلام كافر، ثمّ طول الفترة الزمنية بينهما تقطع بأنهما ليسا شخصا واحدا، فمن غير المعقول أن يعمِّر تلك المدة. ومن قال: إنّ فرعون موسى هو فرعون يوسف لأنّه عمّر، فليس في الآية (ما يدل على أنّه هو، لأنّه إذا أتى بالبينات نبي لمن معه ولمن بعده فقد جاءهم جميعا بها، وعليهم أن يصدقوه بها) [6] .
كان من الطبيعي أن نلقي بعض الضوء على هذه المسألة، ذلك أنّ ادعاء الألوهية أو الربوبية أمر لا يدّعيه البشر، لأنّنا من الأغيار، نشيب ونهرم، ونتعب وننشط، وننام ونستيقظ .. وكلّ هذه أدلّة على كذب تلك الدعوى. ولمّا كان الأمر كذلك، فكيف ادعى فرعون ذلك لنفسه؟ وما هي حقيقة تلك الدعوى؟
ومن أجل توضيح هذه المسألة كان لا بد من تَتَبُّعِ النصوص القرآنية ذات الصلة بالموضوع، والتي من خلالها نستطيع أن نقف على طبيعة الألوهية والربوبية التي ادعاها فرعون. يقول تعالى حكاية لقول فرعون:''وقال فرعون يا أيها الملأ ما علمت لكم من إله
(1) اليعقوبي: أحمد بن أبي يعقوب بن جعفر العباسي، تاريخ اليعقوبي، جزءان، دار صادر، بيروت. (1/ 186) ،وسأشير إليه لاحقا هكذا (تاريخ اليعقوبي) .وانظر: النّجوم الزاهرة (1/ 58) .
(2) معجم البلدان (4/ 287) .
(3) [غافر:34] .
(4) 23 هنا لا بد من ملاحظة أنّ القرآن لم يستعمل كلمة'فرعون'في قصة يوسف عليه السلام وإنّما استعمل كلمة'الملك'.
(5) تفسيرالبيضاوي (3/ 280) .وانظر معجم البلدان (5/ 140) وتاريخ الطبري (1/ 231) .
(6) تفسير القرطبي (15/ 312 - 313) .