فهرس الكتاب

الصفحة 148 من 259

المبحث الثالث

الكذب

الكذب نقيض الصدق [1] ،و (هو الإخبار عن الشيء بخلاف ما هو عليه) [2] ،فهو تزوير وتحريف للحقيقة، بنفيها أو إثبات ما لا حقيقة له، وهو في كلا الحالتين تزوير وإخفاء للحقائق؛ ذلك أنّ (الصدق مطابقة الخبر للواقع والكذب عدمها) [3] .وقد يكون الكذب بلسان المقال أو بلسان الحال. وهو وسيلة الطغاة لتحقيق الغايات والأهداف غير المشروعة، ومنهج كل من يؤمن أنّ الغاية تبرر الوسيلة، وهو سلوك العاجزين والمنافقين والضعفاء والمفلسين والجبناء الذين يخافون من مواجهة الحقائق.

وهكذا كان فرعون-فاجرا منافقا عاجزا-يتوصل بالكذب الممنهج لتثبيت باطله وتدعيم نظامه بَعْدَ أَنْ علم الحق بدليل قوله تعالى:''لقد علمتَ ما أنزل هؤلاء إلا رب السماوات والأرض بصائر'' [4] .فاختار-لعنه الله- وزمرته المقربة الكذب لرد الحق وتسويق الباطل، وهم يعلمون أنّه كذب''ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون'' [5] ،ولا عجب فالقيم في ظلّ الطاغوت بضاعة تُشترى وتباع.

إنّ فرعون أفّاك كذّاب أثيم؛ ذلك أنّ الكذب هو الأساس الذي بنى فرعون عليه نظامه والأصل الذي ظهرت من خلاله شخصيته، فهو-لعنه الله-من حمل إثم أكبر كذبة وأعظم فرية، فقد ادعى كذبا أنّه رب أعلى وإله لم يعلم لقومه إلها غيره. ثمّ يأتي بعد ذلك دوْرُ الأجهزة المختصة في الترويج المُستمر لتلك الفرية، ومرة بعد مرّة يُدخَل في روع الجماهير أنّ الطاغوت ليس فردا عاديا، وليس بشرا طبيعيا، كما حصل لبني إسرائيل حين لم يُصدّقوا موت فرعون وغرقه بعد أن تعرضوا لعملية مسح للذاكرة.

وماذا يملك فرعون أمام الحجة والبرهان؟ لقد اتهم موسى-كذبا-بأنّه ساحر، يقول تعالى مخبرا عن قول فرعون:''قال للملأ حوله إنّ هذا لساحر عليم'' [6] ،وتلك أقرب فرية يُمكن أن يُصدّقها

(1) لسان العرب، مادة: كذب (1/ 704) .وفي مختار الصحاح) التكاذب ضد التصادق) مادة: كذب (236) .

(2) المصباح المنير، مادة: كذب (2/ 528) .

(3) فيض القدير (1/ 171) .وانظر: التعريفات، باب الكاف (1/ 235) والتعاريف، فصل الذال (1/ 601) .

(4) [الإسراء:102] .

(5) [آل عمران:78] .

(6) [الشعراء:34] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت