فهرس الكتاب

الصفحة 142 من 259

التجهيل، فاستخفاف الطغاة للجماهير سياسة معلومة متعبة، (فهم يعزلون الجماهير أولا عن كل سبل المعرفة، ويحجبون عنهم الحقائق حتى ينسوها، ولا يعودوا يبحثون عنها، ويلقون في روعهم ما يشاءون من المؤثرات حتى تنطبع نفوسهم بهذه المؤثرات المصطنعة. ومن ثم يسهل استخفافهم بعد ذلك، ويلين قيادهم) [1] ،وكلما طال الزمن على هذه الحال أصبح المرض مزمنا والتخلص منه عسيرا، ممّا يتطلب المزيد من الجهد والاجتهاد للتخلص من الآثار التي أوجدها فرعون وأمثاله في حياة النّاس، وهي لا شك آثار تدميرية.

ولذلك لم تغب هذه الوسيلة عن عقل فرعون ونهجه، فهو يستدعي كل ما به يثبت نظامه ويقوي حكمه، ودليل ذلك قوله تعالى:''فاستخف [2] قومه فأطاعوه'' [3] .والمعنى فاستجهل قومه فأطاعوه لخفة أحلامهم وقلة عقولهم. وقيل: استخف قومه أي وجدهم خفاف العقول. وهذا لا يدلّ على أنّه يجب أن يطيعوه، فلا بد من إضمار بعيد تقديره وجدهم خفاف العقول فدعاهم إلى الغواية فأطاعوه. وقيل: استخف قومه وقهرهم حتى اتبعوه، أي حملهم على خفة الجهل والسفه بقوله وكيده وغروره فأطاعوه فيما أمرهم به وقبلوا قوله وكذبوا موسى [4] .ولم تكن خفة أحلامهم وقلة عقولهم إلا نتيجة لما امتلأت به من خرافات وعقائد باطلة، ولما تعرّضت له من العزل عمّا من شأنه أن ينوّر لها الطريق ويجلي لها الحقائق.

المحور الأول: منع حرية الرأي وتكميم الأفواه، وذلك بنشر الخوف بين النّاس بالقتل والسجن والتعذيب، كما سبق وبيّنا، حتى لا ينتشر النّور والهدى بين النّاس، ودلّ على ذلك شواهد كثيرة، منها قوله تعالى:''وأوحينا إلى موسى وأخيه أن تبوءا لقومكما بمصر بيوتا واجعلوا بيوتكم قبلة وأقيموا الصلاة'' [5] .حيث خاف بنو إسرائيل على أنفسهم (فأمروا أن يصلوا في بيوتهم في خفية من الكفرة لئلا يظهروا عليهم فيؤذوهم ويفتنوهم عن دينهم كما كان المسلمون على ذلك في أول الإسلام بمكة) [6] ،فنشر الخوف بين النّاس أمر مقصود حتى لا يظهر للإيمان في واقع الحياة أيّ مظهر، فيؤثر في نفوس النّاس فيجذبهم إليه، وهذا مالا يسمح به فرعون.

(1) في ظلال القرآن (7/ 340) .

(2) (فاستخف قومه فأطاعوه: أي حملهم على الخفة والجهل يقال استخفه عن رأيه واستفزه عن رأيه إذا حمله على الجهل وأزاله عما كان عليه من الصواب واستخف به أهانه) لسان العرب، مادة: خفف (9/ 80) .

(3) [الزخرف:54] .

(4) انظر: تفسير القرطبي (16/ 101) وفتح القدير (4/ 560) وتفسير أبي السعود (8/ 50) وتفسير البيضاوي (5/ 149) وروح المعاني (25/ 91) .

(5) [يونس:87] .

(6) تفسير النسفي (2/ 139) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت