إنّ أخطر ما في ظاهرة الفساد والإفساد المعاصر هو أن يتحول الفساد إلى منظومة متكاملة من فكر فاسد، أُنشأت له مدارس ومعاهد، ومناهج تُبنى عليه، وخصوصا أنّ المفسدين في الأرض يسيطرون على المفاصل الحساسة في حياة النّاس.
ومن أجل أن يُتمّ المفسدون مشروعهم عملوا بكل قوتهم لمنع عناصر الإصلاح المتمثلة بالجماعة المسلمة من الحركة، فهم يحاولون محاصرة أي نشاط إصلاحي وعلى كافة المستويات؛ السياسية والإجتماعية والثقافية والإعلامية .. بل وصل بهم الأمر إلى إغلاق المعاهد والمدارس الإسلامية ومنع المتحجبات من دخول المؤسسات الحكومية من المدرسة والجامعة وصولا إلى البرلمان رمز الديمقراطية الحديثة!
إنّ المنع المفروض على القوى المصلحة، وإطلاق العنان للأيد المفسدة نذير شؤم، وناقوس خطر ندقه فوق رؤوس النّاس، فمع مرور الزمن تنكسر الحواجز النّفسية، والتي لولا انكسارها لما أعلن فرعون أُلوهيته وربوبيته! حينئذ ينفلت الإنسان من قيد القيم، وتُصبح الحياة عفنًا كاملا! ويُصبح المصلح غريبا.وهو ما يُريده المفسدون في الأرض.
ولمنع الفساد لا بدّ من المدافعة، يقول تعالى:''ولولا دفع الله النّاس بعضهم ببعض لفسدت الأرض'' [1] ،فلولا أنّه سبحانه وتعالى (يدفع بعض الناس ببعض، وينصر المسلمين على الكفار، ويكف بهم فسادهم لغلبوا وأفسدوا في الأرض) [2] .ولا بدّ في مرحلة متقدمة من القتال، يقول تعالى:''وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدَّين كلُّه لله'' [3] ،أي (حتى لا يكون شرك) [4] ،فالشرك أساس لكل فساد.
المبحث السادس
الإستبداد [5]
الإستبداد في اللغة من استبد (يقال استبد بالأمر يستبد به استبدادا إذا انفرد به دون غيره، واستبد برأيه انفرد به) [6] ،و (استبد بالأمر انفرد به من غير مشارك له فيه) [7] ،ويترتب على
(1) [البقرة:251] .
(2) تفسير البيضاوي (1/ 584) .
(3) [الأنفال:39] .
(4) تفسير الطبري (2/ 192) وانظر: تفسير الثعالبي (1/ 150) .
(5) (الاستبداد: وهو افتعال من الأمر كأن نفسه أمرته فائتمر أى امتثل أى لا يأتى برشد من قبل نفسه ولا يقبل قول غيره) الزمخشري: محمود بن عمر، (467 - 538 هـ) ،الفائق في غريب الحديث،4 أجزاء، تحقيق: علي محمد البجاوي -محمد أبو الفضل إبراهيم، ط 2،دار المعرفة، لبنان. (4/ 123) ،وسأشير إليه لاحقا هكذا (الفائق) .
(6) لسان العرب، مادة: بدد (3/ 81) .
(7) المصباح المنير، مادة: بدد (1/ 38) وانظر: مختار الصحاح، مادة: بدد (18) .