فهرس الكتاب

الصفحة 153 من 259

يعرف أحدا منهم ولا رآه ولا اجتمع به، وفرعون يعلم ذلك، وإنّما قال هذا تسترا وتدليسا على رعاع دولته وجهلتهم) [1] .

إنّ الكذب تزوير للحقيقة، وهو ما يريده فرعون وكل طواغيت الأرض، كي لا تتضح معالم المعركة في أذهان الجماهير، فتبقى جاهلة لأسباب الخصومة بين الحق والباطل، فتتميّع المفاهيم في عقولها، وتتشوش الرؤيا، فلا تصبح قادرة على فعل شيء. لأنّ فهم رسالة الحق أساس في مناصرتها واتباعها، كما أن فهم الباطل أساس في محاربته ومخاصمته، ولهذا درجت الحكومات الجائرة على الكذب تزويرا للحقيقة.

فالكذب وسيلة الطواغيت في إظهار أنفسهم بمظهر لا يعكس حقيقتهم؛ وهو وسيلتهم في الردّ على الحق وأهله؛ أي أنّهم يكذبون مرّتين: مرّة في تقديم أنفسهم، ومرّة في ردهم على من خالفهم، ولذلك ظهرت عليهم علامات الضلال وعدم الهدى، يقول تعالى:''إنّ الله لا يهدي من هو مسرف كذاب'' [2] ،أي (إنّ الله لا يوفق للحق من هو متعد إلى فعل ما ليس له فعله كذاب عليه يكذب ويقول عليه الباطل وغير الحق) [3] ،ولهذا كانت الحكومات الحالية ضالة متعثرة غير مُوفقة.

إنّ الكذب الذي يمارسه الطواغيت كذب خطير لأنّه يمُس حقائق الدّين والمعاني الحقيقة للحياة، فلا يكتفون بالكذب على النّاس في تصريف شؤونهم وحسب بل يتعدى كذبهم ذلك، ويظهر هذا جليًّا في قضية التشريع، يقول تعالى:''ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام لتفتروا على الله الكذب إن الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون'' [4] ، (ويدخل في هذا كل من ابتدع بدعة ليس له فيها مستند شرعي، أو حلل شيئا مما حرم الله، أو حرَّم شيئا مما أباح الله بمجرد رأيه وتشهيه) [5] ،ولهذا كان كذبهم علامة على عدم فلاحهم وعلى عدم إيمانهم، يقول تعالى:''إنما يفتري الكذب الذين لا يؤمنون بآيات الله، وأولئك هم الكاذبون'' [6] .وأقل ما يُقال فيهم أنّ كذبهم علامة نفاق فيهم؛ ذلك أنّ آية المنافق''إذا حدّث كذب'' [7] ،وهؤلاء يكذبون حتى في ابتساماتهم وحركاتهم وسكناتهم! ومن هنا كانت حكومات النّفاق التي نشاهد.

(1) تفسير ابن كثير (2/ 239) مع بعض التصرف.

(2) [غافر:38] .

(3) تفسير الطبري (24/ 58) .

(4) [النحل:116 - 117] .

(5) تفسير ابن كثير (2/ 591) .

(6) [النحل:105] .

(7) صحيح البخاري، كتاب الإيمان، باب علامة المنافق (1/ 21) رقم (33) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت