فهرس الكتاب

الصفحة 152 من 259

واضح فيما بين إخوته) [1] ، (فهي-إذن-المماراة في الحق الواضح الذي لا يمكن دفعه. المماراة المكرورة حيثما واجه الحق الباطل فأعيا الباطل الجواب. إنّهم يدّعون أنّه سحر ... وهم لا يناقشون بحجة، ولا يُدلون ببرهان، إنّما يقولون بهذا القول الغامض الذي لا يحق حقا ولا يبطل باطلا ولا يدفع دعوى) [2] .

وكان الكذب وسيلته في رده على السحرة حين آمنوا، حيث وقع إيمانهم عليه وقع الصاعقة، فلجأ إلى وسيلته الخسيسة محاولا رد المعجزة الباهرة، باتهامهم بالتّواطيء مع موسى عليه السلام، واعتبر إيمانهم مؤامرة حيكت في الخفاء، فقال:''إنّ هذا لمكر مكرتموه في المدينة لتخرجوا منها أهلها'' [3] .فليس إيمانهم-بزعم فرعون-سوى مواطأة جرت بينهم وبين موسى ليستولوا على مصر، وكان هذا-بزعمه-في المدينة قبل أن يبرزوا إلى هذه المباراة [4] ، حتى إذا اجتمعتم أظهرتم العجز عن معارضته والإيمان به. (وهذا الذي قاله من البهتان، يعلم كل فرد عاقل ما فيه من الكفر والكذب والهذيان، بل لا يُروج مثله على الصبيان، فإن النّاس كلهم- من أهل دولته وغيرهم -يعلمون أنّ موسى لم يرَ هؤلاء يوما من الدهر) [5] .

ثمّ أفرط في فريته فقلب المنطق كلّه رأسا على عقب، فبدلا من أن يقول إنّه لتلميذكم قال:''إنّه لكبيركم الذي علمكم السحر'' [6] ،أي رئيسكم في التعليم، وإنّما غلبكم لأنّه أحذق به منكم، أو لأنّه علمكم شيئا دون شيء ولذلك غلبكم، وإنّما أراد فرعون بقوله هذا التلبيس والكذب على النّاس كي لا يعتقدوا أنهم آمنوا على بصيرة وظهور حق، حتى لا يتبعوهم فيؤمنوا كإيمانهم، وإلاّ فقد علم فرعون أنهم لم يتعلموا من موسى، بل قد علموا السحر قبل قدوم موسى وولادته [7] .

وهذا قول ظاهر أنّه بهت وكذب؛ (فإنّ موسى عليه السلام بمجرد ماجاء من مدين دعا فرعون إلى الله، وأظهر المعجزات الباهرة والحجج القاطعة على صدق ماجاء به، فعند ذلك أرسل فرعون في مدائن مملكته فجمع سحرة متفرقين ممن اختار هو والملأ من قومه، وأحضرهم عنده ووعدهم بالعطاء الجزيل، وكانوا أحرص الناس على الظهور، والتقدم عند فرعون. وموسى عليه السلام لا

(1) تفسير البيضاوي (3/ 210) .وانظر: تفسير الطبري (11/ 145) وتفسير القرطبي (8/ 366) وتفسير ابن كثير (2/ 427) وتفسير النسفي (2/ 137) .

(2) في ظلال القرآن (6/ 348 - 349) .

(3) [الأعراف:123] .

(4) انظر: تفسير ابن كثير (2/ 239) وتفسير البيضاوي (3/ 48) وتذكرة الأريب في تفسير الغريب (1/ 185) والجصاص: أبو بكر، أحمد بن علي الرازي، (305 - 370 هـ) ،أحكام القرآن،5 أجزاء، تحقيق: محمد الصادق قمحاوي، دار إحياء التراث العربي، بيروت،1405 هـ. (2/ 170) ،وسأشير إليه لاحقا هكذا (أحكام القرآن للجصاص) .

(5) البداية والنّهاية (1/ 256) .

(6) [طه:71] .

(7) انظر: تفسير الطبري (16/ 188) وتفسير أبي السعود (6/ 243) وتفسير الجلالين (1/ 483) وتفسير النسفي (3/ 61) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت