لا تصدر في عرف الطاغية إلاّ من مسحور لا يدري ما يقول! فما يستطيع الطغاة من أمثال فرعون أن يتصوروا هذه المعاني، ولا أن يرفع أحد رأسه ليتحدث عنها وهو يملك قواه العقلية!) [1] .
لم يكتف فرعون بفرية السحر، بل سار على نهج الطغاة، يقول تعالى:''كذلك ما أتى الذين من قبلهم من رسول إلاّ قالوا ساحر أو مجنون أتواصوا به بل هم قوم طاغون'' [2] .و (الاستفهام للتقريع والتوبيخ والتعجيب من حالهم، أي هل أوصي أولهم آخرهم بالتكذيب وتواطئوا عليه! بل هم قوم طاغون. إضراب عن التواصي إلى ما جمعهم من الطغيان، أي لم يتواصوا بذلك بل جمعهم الطغيان، وهو مجاوزة الحد في الكفر) [3] ،فكأنّهم تواصوا على التكذيب.
ولمّا كان فرعون من طبيعته الطغيان شارك الأولين والآخرين نهجهم، فأضاف إلى تهمة السحر تهمة الجنون، حيث قال:''إنّ رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون'' [4] .أي (إنّ رسولكم هذا الذي يزعم أنه أرسل إليكم لمغلوب على عقله، لأنّه يقول قولا لا نعرفه ولا نفهمه. وإنّما قال ذلك ونسب موسى إلى الجِنّة لأنّه كان عنده وعند قومه أنّه لا رب غيره يُعبد، وأنّ الذي يدعوه إليه موسى باطل ليست له حقيقة) [5] ،ولأنّه-لعنه الله- (خاف من تأثر قومه منه، فأراهم أنّ ما قاله عليه الصلاة والسلام مما لا يصدر عن العقلاء صدا لهم عن قبوله، فقال مؤكدا لمقالته الشنعاء بحرفيّ التأكيد''إنّ رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون'' [6] ،ليفتنهم بذلك ويصرفهم عن قبول الحق، وسمّاه رسولا بطريق الإستهزاء، وأضافه إلى مخاطبيه ترفعا من أن يكون مرسلا إلى نفسه) [7] .
لقد أفرط فرعون في التهمة وتوسع فيها، فجمع بين فرية التشكيك بنبوة موسى وبأهليته-فهو إمّا ساحر أو مجنون أو مسحور-وبين فرية التشكيك بما جاء به، فكأنّه أراد أن يشكك بكل ما يمُتّ إلى موسى بصلة، فكلّ ما جاء به موسى-بزعم فرعون-سحر مبين مفترى، يقول تعالى:''فلمّا جاءهم الحق من عندنا قالوا إنّ هذا لسحر مبين'' [8] .ويقول تعالى:''فلما جاءهم موسى بآياتنا بينات قالوا ما هذا إلآّ سحر مفترى'' [9] .أي (فلما جاءهم الحق من عندنا وعرفوه بتظاهر المعجزات الباهرة المزيلة للشك، قالوا من فرط تمردهم:''إنّ هذا لسحر مبين''ظاهر أنّه سحر أو فائق في فنه
(1) في ظلال القرآن (5/ 362) .
(2) [الذاريات:52 - 53] .
(3) فتح القدير (5/ 92) .وانظر: تفسير الطبري (27/ 10) وتفسير القرطبي (17/ 54) .
(4) [الشعراء:27] .
(5) تفسير الطبري (19/ 70) .وانظر: معاني القرآن (5/ 74) .
(6) [الشعراء:27] .
(7) تفسير أبي السعود (6/ 239) .
(8) [يونس:76] .
(9) [القصص:36] .