فهرس الكتاب

الصفحة 150 من 259

قيد فرعون، راح فرعون ينشر بين النّاس فريته أنّ موسى ما جاء إلاّ ليخرجكم من أرضكم، يقول تعالى مخبرا عن قوله:''قال أجئتنا لتخرجنا من أرضنا بسحرك يا موسى'' [1] (هذا من فرعون تعلل وتحير، ودليل على أنّه علم كونه محقا حتى خاف منه على ملكه، فإنّ الساحر لا يقدر أن يخرج ملكا مثله من أرضه) [2] ،ولكنّه لجأ إلى الكذب (لحمل قومه على غاية المقت لموسى عليه الصلاة والسلام بإبراز أن مراده عليه الصلاة والسلام ليس مجرد إنجاء بني إسرائيل من أيديهم، بل إخراج القبط من وطنهم وحيازة أموالهم وأملاكهم بالكلية، حتى لا يتوجه إلى اتباعه أحد، ويبالغوا في المدافعة والمخاصمة. وسمّى ما أظهره عليه الصلاة والسلام من المعجزة الباهرة سحرا لتجسيرهم على المقابلة) [3] .

ثمّ يلتفت إلى الجماهير مُبْدِيًا حرصه عليهم،''فماذا تأمرون [4] '' [5] ،أي (بأي شيء تأمرونني) [6] ،متنازلا من عليائه الكاذب في طرح المشورة عليهم، فالديمقراطية أداة في يدّ الطاغوت يستدعيها متى يحتاج إليها! يحاول بذلك استدرار العواطف واستدراج الجماهير بفتات يسير من الحرية الموهومة حتى إذا هدأت العاصفة عاد إلى طبعه.

وتظهر براعته في الكذب والاحتيال على الحقيقة حين ادعى أنّ خصومته لموسى ليست إلاّ دفاعا عن مصالحهم، فهي معركتهم التي يتبناها من أجلهم! فإنّ موسى''يريد أن يخرجكم من أرضكم بسحره فماذا تأمرون'' [7] .فأي عقلية شيطانية يتمتع بها الطاغوت!

إنّه يُخفي ذعره من تأثر القوم بدعوة موسى فهو يُغريهم به: يريد أن يخرجكم قسرا من أرضكم التي نشأتم فيها وتوطنتموها بسحره، وفي هذا غاية التنفير عنه عليه السلام وابتغاء الغوائل له [8] ،وكان فرعون يدرك أنّ ما قاله كذب، ولكنّه لا بدّ منه، إذ ليس هناك طريق آخر غير الإحتيال.

واتّهم فرعون-لعنه الله-موسى عليه السلام بأنّه مسحور [9] ،يقول تعالى:''فقال له فرعون إني لأظنك يا موسى مسحورا'' [10] ، (فكلمة الحق والتوحيد والدعوة إلى ترك الظلم والطغيان والإيذاء

(1) [طه:57] .

(2) تفسير البيضاوي (4/ 56) .وانظر: تفسير النسفي (3/ 58) .

(3) تفسير أبي السعود (6/ 23) .وانظر: فتح القدير (3/ 370) وروح المعاني (16/ 216) .

(4) (قاله هو وأشراف قومه على سبيل التشاور في أمره فحكى عنه في سورة الشعراء وعنهم ها هنا) تفسير البيضاوي (3/ 46) .

(5) [الأعراف:110] .

(6) (وهذا من كلام فرعون، وقيل قاله الملأ من قبله بطريق التبليغ إلى العامة. فقوله تعالى:''قالوا أرجه وأخاه''على الأول وهو الأظهر حكاية لكلام الملأ الذين شاورهم فرعون، وعلى الثاني لكلام العامة الذي خاطبهم الملأ) تفسير أبي السعود (3/ 259) .قال الشوكاني رحمه الله: (وكون هذا من كلام فرعون هو الأولى بدليل ما بعده وهو:''قالوا أرجه وأخاه''. قاله الملأ جوابا لكلام فرعون حيث استشارهم وطلب ما عندهم من الرأي) فتح القدير (2/ 231) .

(7) [الشعراء:35] .

(8) انظر: تفسير ابن كثير (3/ 334) وتفسير أبي السعود (6/ 241) وروح المعاني (19/ 76) .

(9) أي (ذاهب العقل مفسدا) لسان العرب، مادة: سحر (4/ 349) .

(10) [الإسراء:101] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت