فهرس الكتاب

الصفحة 166 من 259

إنّ اعتماد فرعون على المخابرات إفراز طبيعي للنّظام الحاكم، حيث لا يمكن للظلم أن يدوم لولا هذا القهر والإرهاب، فهي وسيلة الطغاة في تثبيت حكمهم الذي يفرز تلك الشخصيات المعفرة بدماء الشعوب المستضعفة.

كما تشمل قوة فرعون العسكرية جهاز الشرطة والذي يقوم بمهام السجون، أو ما نسمّيه اليوم شرطة مصلحة السجون. ودليل ذلك قوله تعالى حكاية لقول فرعون لموسى عليه السلام:''قال لئن اتخذت إلها غيري لأجعلنك من المسجونين'' [1] . (أي ممن عرفت حالهم في سجوني، فإنّه كان يطرحهم في هوة عميقة حتى يموتوا ولذلك جعل أبلغ من لأسجنك) [2] ،فالسجن من سياسات فرعون المعهودة والمعروفة بين النّاس، وبالتالي يلزم تلك السجون شرطة تقوم على تعذيب المساجين وقمعهم وحراستهم حتى لا يفروا من جحيم الطاغوت!

إنّ الطاغوت-كما أسلفنا-فرد لا يستطيع مهما أوتي من مهارات وقدرات فرديّة من إخضاع النّاس وسحقهم، فهو إنّما يقوم بما يقوم به بمن شايعه وناصره، ولا شك أنّ جنود النّظام الآثم مثله آثمون لأنّهم يقومون بتثبت الظلم والعدوان، يقول تعالى:''إنّ فرعون وهامان وجنودهما كانوا خاطئين'' [3] . أي كانوا خاطئين (في كل شيء، فليس ببدع منهم أن قتلوا ألوفا لأجل موسى، ثمّ أخذوه يُربونه ليكبر ويفعل بهم ما كانوا يحذرون، أو مذنبين فعاقبهم الله تعالى بأن ربى عدوهم على أيديهم) [4] .ثمّ هذه نهايتهم أن عاقبهم الله مع فرعون فأخذهم أخذ عزيز مقتدر؛ ذلك لأنّهم ظالمون مثل فرعون، يقول تعالى:''فأخذناه وجنوده فنبذناهم في اليم فانظر كيف كان عاقبة الظالمين'' [5] .وهنا لا بدّ أن نُشير بصراحة أنّ أجهزة الأمن والمخابرات والجيش .. وكل ما من شأنه إطالة أمد الظلم هم من جملة الظالمين. والواقع يقول: إنّ هؤلاء هم أدوات القمع والسَحْقِِ عند الطواغيت.

إنّ الوسائل التي اعتمدها فرعون أدت إلى نظام يمتاز بالقوة والمتانة، تلك النتائج التي بيّنها القرآن في قوله تعالى:''وفرعون ذو الأوتاد'' [6] .أي ذو الملك الثابت بالأوتاد، وهو مأخوذ من ثبات البيت المُثَبَّت بالأوتاد. أو ذو البناء المحكم، أو كثير البنيان والبنيان يسمى أوتادا، وقيل: ذو الأوتاد

(1) [الشعراء:29] .

(2) تفسير البيضاوي (4/ 236) .وانظر: تفسير أبي السعود (6/ 240) وتفسير النسفي (3/ 183) وروح المعاني (19/ 73) .

(3) [القصص:8] .

(4) تفسير البيضاوي (4/ 283) .

(5) [القصص:39 - 40] .

(6) [الفجر:10] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت