فهرس الكتاب

الصفحة 55 من 259

الذين يفسدون في الارض ولا يصلحون؟) [1] ؛ذلك أنّ صلاح هذا الكون بالقوانين التي تحكمه، فهو مسخر من الله بتلك القوانين، وبالتالي أصبح نافعا، وحين يطبق النّاس قانون الله-أي شرعه-في حياتهم تصبح مفيدة مؤدية لغايتها كما هو حال هذا الكون، فالشرع هو الذي يُنظم حياتنا لتصبح صالحة ومفيدة، فإذا استثني الشرع تصادمت الأهواء والأغراض وحصل الخلل والفساد.

ثمّ كانت نهاية هذه الشخصية المفسدة بائسة وعاقبتها وخيمة، فالله يُمهل ولا يُهمل، فبفسادهم صب عليهم ربك سوط عذاب، وأنزل عليهم رجزا من السماء، وأحل بهم عقوبة لا تُردُّ عن القوم المجرمين، وقص علينا خبرهم ليكون من هذا القصص والخبر عبرة لكل فاسد مفسد، فلا يقعوا فيما وقع فيه أسلافهم، لأنّ سنة الله واحدة لا تبديل فيها ولا تحويل، يقول تعالى:''حتى إذا أدركه الغرق قال آمنت أنّه لا إله إلا الذي آمنت به بنوا إسرائيل وأنا من المسلمين، آلآن وقد عصيت قبل وكنت من المفسدين'' [2] .أي (الصادين عن سبيل الله) [3] .

وهكذا تكون آخر اللحظات إعلان من الله سبحانه أنّ فرعون من المفسدين، فتُختم صفحة حياته الفاسدة بتسجيل وصمة العار التي تلاحقه وتلاحق كل مفسد، وتغيب بين الأمواج شخصية فاسدة مفسده عليها اللعنة من الله.

قلنا: إنّ الفساد خلل يُصيب الحياة، والنّاظر في حياة النّاس اليوم يرى أنّ الخلل قد أصاب معظم مناحي حياتهم؛ خلل في الفكر والتصور والمفاهيم، أورث القلق والاضطراب والأمراض النّفسية وفقدان السعادة والطمأنينة .. وخلل في النّظام السياسي العالمي والإقليمي والمحلي، أورث انتشار الرشوة والمحسوبية واستثناء الكفاءة، وفشت عقلية المؤامرة وفقدان الثقة، وانعدمت روح المسؤولية، وغاب حس الإنتماء. وخلل في الأخلاق أورث انتشار الجريمة المنظمة والشذوذ الجنسي وهدم الأسرة وظهور الوصوليين. وخلل في الإعلام الذي أصبح هدفه الهبوط بالإنسان إلى مرتبة الحيوان، وإحياء الغرائز الحيوانية فيه، وزرع الأفكار المادية الخاوية من أي روح إنسانية. وخلل في الإقتصاد بنشر الربا وما يتبع ذلك من فساد وشر، ونشر الغش والاحتكار والغبن وعدم الأمانة والاختلاس ... إنّه الخلل الذي نشاهد آثاره في المجاعات المنتشرة هنا وهناك وموت الآلاف من البشر جوعا، ونشاهده في انتشار جيوب الفقر على أطراف الأحياء المترفة والمتخمة، وما يتبع هذا من خلل في العلاقات الإجتماعية وانحرافات جنونية هستيرية.

(1) في ظلال القرآن (3/ 596 - 597) .

(2) [يونس:90 - 91] .

(3) تفسير الطبري (11/ 164) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت