فهرس الكتاب

الصفحة 54 من 259

السحر-الذي كان فرعون يرعاه وينفق عليه-من عمل المفسدين. (والمعنى أنّ الله لا يصلح عمل من سعى في أرض الله بما يكرهه وعمل فيها بمعاصيه) [1] (ولا يجعل عملهم نافعا لهم) [2] .

وحصل ذلك حين حاول فرعون من خلال السحر- الذي كان جزءا من نظامه- أن ينتصر على موسى عليه السلام ويعارض ما جاء به عليه السلام من الحق المبين بزخارف السحرة، عند ذلك قال موسى عليه السلام:''ما جئتم به السحر إنّ الله سيبطله، إنّ الله لا يُصلح عمل المفسدين''.

وأصل فساد فرعون وإفساده أنّه كان من المكذبين الكافرين بآيات الله، يقول تعالى:''ثم بعثنا من بعدهم موسى بآياتنا إلى فرعون وملئه فظلموا بها فانظر كيف كان عاقبة المفسدين'' [3] ، ويقول تعالى:''فلما جاءتهم آياتنا مبصرة قالوا هذا سحر مبين، وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا فانظر كيف كان عاقبة المفسدين'' [4] . (أي الذين صدّوا عن سبيل الله وكذبوا رسله) [5] ،وكم بذل فرعون جهودا ليلا ونهارا للصد عن سبيل الله، حتى أنّه يصح منّا القول: إنّ وظيفته ووظيفة من حوله من الملأ والحاشية والجند ليست سوى الصد عن سبيل الله، وهكذا هي حال كل سلطة حاكمة تمارس الإفساد.

والمعنى (فانظر كيف كان عاقبة المفسدين أي المكذبين بالآيات الكافرين بها وجعلهم مفسدين لأنّ تكذيبهم وكفرهم من أقبح أنواع الفساد) [6] ،لما يترتب على هذا التكذيب من آثار خطيره، حيث لا تصلح الحياة إذا كُذّب بآيات الله وكُفر بها، و (وضع المفسدين موضع ضمير الظالمين للإيذان بأن الظلم مستلزم للإفساد) [7] ،ففرعون ظالم ومفسد، وكأنّ شخصيته موضع لكل رذيلة، فهذه الرذيلة مرتبطة مع رذيلة أخرى، وتلك مفسدة تفرز مفسدة أخرى.

(إنّ الفساد يصيب تصورات الناس كما يصيب حياتهم الاجتماعية حين يكون أرباب متفرقون يتحكمون في رقاب العباد من دون الله، وما صلحت الأرض قط ولا استقامت حياة الناس إلاّ يوم أن كانت عبوديتهم لله وحده -عقيدة وعبادة وشريعة- وما تحرر الإنسان قط إلاّ في ظلال الربوبية الواحدة، ومن ثّم يقول الله سبحانه عن فرعون وملئه:''فانظر كيف كان عاقبة المفسدين'' [8] .وكل طاغوت يخضع العباد بشريعة من عنده، وينبذ شريعة الله، هو من المفسدين

(1) تفسير الطبري (11/ 148) .

(2) زاد المسير (4/ 51) .وانظر: تفسير الواحدي (1/ 505) .

(3) [الأعراف:103] .

(4) [النّمل:13 - 14] .

(5) تفسير ابن كثير (2/ 236) .

(6) فتح القدير (2/ 231) .

(7) تفسير أبي السعود (3/ 257) وانظر: روح المعاني (9/ 18) .

(8) [النمل:14] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت