فهرس الكتاب

الصفحة 53 من 259

الحياة عن الغاية التي خلق من أجلها الإنسان، فتتعطل الوظيفة المناطة بالبشر كما لو حصل الخراب بآلة فَعَطَّلها عن أداء وظيفتها.

وتكون خطورة الفساد متناسبة مع أهمية الجزء المصاب من حياة النّاس ومدى حيويته، ففساد العقيدة والتّصور أخطر من فساد التشريع. وتشتدُّ خطورة الفساد ويزداد تأثيره مع طول الفترة التي يبقى بها الخلل قائما، لأنّه قد يتحوّل إلى مرض مزمن يصعب الخلاص منه.

وقد يكون الفساد في موظف صغير ولكنّه مع ترقّي الرتبة أخطر، فإذا كان في رأس الهرم أصبح مأساة! وقد يكون في جزء من المنهج، ولكنه إذا انتشر في أجزاء أخرى أخطر، وإمّا إذا كان المنهج المطبق من أساسه ومنبعه فاسدا فإنّ الحياة تصبح جحيما لا توصف. فكيف ورأس الهرم فرعون مفسد وليس بفاسد فحسب؟! ومنهج الحياة في ظلّه-جملة وتفصيلا، وأصولا وفروعا-فاسد! يقول تعالى:''إنّ فرعون علا في الأرض وجعل أهلها شيعا يستضعف طائفة منهم يذبح أبناءهم ويستحيي نساءهم إنّه كان من المفسدين'' [1] .أي إنّه كان من الراسخين في الإفساد، ولذلك اجترأ على مثل تلك العظيمة من قتل من لا جنحة له من أبناء الأنبياء عليهم السلام لتخيل فاسد، ثمّ هو من المفسدين في الأرض بالعمل والمعاصي والتجبر والقتل، وفي الآية الكريمة بيان أنّ القتل من فعل أهل الإفساد [2] ،وفرعون أسرف في القتل، أي أسرف في الفساد.

إنّ الفساد نتيجة حتمية لمن ظلم وطغى وجعل نفسه إلها من دون الله، ومن هنا لم تكن هذه الشخصية مفسدة فحسب بل كانت كثيرة الإفساد بالجور والأذى [3] ،يقول تعالى:''وفرعون ذي الأوتاد، الذين طغوا في البلاد، فأكثروا فيها الفساد، فصب عليهم ربك سوط عذاب'' [4] ،حيث أصاب الخلل كلّ مناحي الحياة، فانتشر الكفر والظلم والجور والأذى والقتل والمعاصي ... حتى وصل الفساد والإفساد عقول النّاس وتصوراتهم، وهو أخطر فساد يمكن أن يقع، ولم يكن عطاؤه للسحرة وإجابتهم لما طلبوا إلاّ في سبيل إفساد عقول الناس وأفكارهم وتصوراتهم بهذه التهاريج. يقول تعالى:''فلما ألقوا قال موسى ما جئتم به السحر إنّ الله سيبطله إنّ الله لا يصلح عمل المفسدين'' [5] ، (أى عمل جنس المفسدين على الإطلاق فيدخل فيه السحر دخولا أوليا) [6] ،فالآية دليل على أنّ

(1) [القصص:4] .

(2) انظر: روح المعاني (20/ 43) وتفسير أبي السعود (7/ 2) وتفسير القرطبي (13/ 249) وفتح القدير (4/ 159) وزاد المسير (6/ 201) وتفسير الجلالين (1/ 506) وتفسير النسفي (3/ 226) .

(3) انظر: تفسير القرطبي (20/ 49) وتفسير ابن كثير (4/ 509) .

(4) [الفجر:10 - 13] .

(5) [يونس:81] .

(6) تفسير ابي السعود (4/ 170) .وانظر: فتح القدير (2/ 466) وروح المعاني (11/ 167) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت