المبحث الأول
عرض مجمل لقصة موسى مع فرعون
لقد وردت قصة موسى عليه السلام مع فرعون-لعنه الله-في مواضع عديدة وحلقات متفرقة،(وفي كل مرة كانت الحلقات التي تعرض منها أو الإشارات متناسقة مع موضوع السورة، أو السياق الذي تعرض فيه، وكانت تشارك في تصوير الموضوع الذي إليه السياق ...
وكذلك لا نجد تكرارا في عرض القصة أبدا على كثرة ما عرضت في سور القرآن. لأنّ هذا التنويع في اختيار الحلقات التي تعرض، ومشاهد كل حلقة، والجانب الذي يختار من كل مشهد، وطريقة عرضه ... كل أولئك يجعلها جديدة في كل موضع. متناسقة مع هذا الموضع) [1] بل سنرى أنّ الآية الواحدة صالحة للإستدلال بها في مواضيع متعددة ومتنوعة، وذلك لغنى النّص القرآني، ففي كلّ مرّة نستدل بالآية عينها نجدها أصيلة في الموضوع الذي يُستدلّ بها عليه. وتلك ظاهرة يتميّز بها كتاب الله وينفرد، وما ذلك إلاّ دليل على إعجاز القرآن الكريم.
لقد ذكرت قصة موسى عليه السلام مع فرعون-لعنه الله-كثيرا في الكتاب العزيز، وذلك لأنها من أعجب القصص، ولما حوته من فوائد جمّة ودروس عديدة تتكرر بين الحق المتمثل في موسى والباطل الذي يمثله فرعون؛ ذلك أنّ فرعون حذر من موسى كلّ الحذر، فقد أُخبر أنّ مولودا سيولد من بني إسرائيل فيكون نهاية ملكه على يده، لهذا شرع فرعون بقتل أبناء بني إسرائيل وذبحهم كي لا يخرج منهم من يهدم عرشه.
ثمّ لمّا تطاول الزمن وبنو إسرائيل تحت هذا البلاء، وأسرف في قتلهم وكاد يفنيهم، (قيل له: أفنيت الناس وقطعت النسل، وإنهم خولك [2] وعمّالك. فأمر أن يقتل الغلمان عاما ويستحيوا عاما، فولد هارون في السنة التي يُستحيا فيها الغلمان، وولد موسى في السنة التي فيها يقتلون) [3] ؛فأوحى الله إلى أُمّ موسى أن تقذفه في التابوت ثمّ تُلقيه في اليمّ، يقول تعالى:''وأوحينا إلى أُمّ موسى أن أرضعيه فإذا خفت عليه فألقيه في اليمّ، ولا تخافي ولا تحزني إنّا رادّوه إليك وجاعلوه من
(1) سيد قطب، في ظلال القرآن، ط 5،دار إحياء التراث العربي، بيروت، لبنان،1386 هـ-1967 م. (6/ 196 - 197) مع بعض التّصرف، وسأشير إليه لاحقا هكذا (في ظلال القرآن) .
(2) (خول الرجل حشمه الواحد خائل، وقد يكون الخول واحدا، وهو اسم يقع على العبد والأمة، وهو جمع خائل وهو الراعي. وقال آخرون: هو مأخوذ من التخويل وهو التمليك الخول) ابن منظور: محمد بن مكرم الأفريقي المصري، (630 - 711 هـ) ، لسان العرب،15 جزء، ط 1، دار صادر، بيروت. مادة: خول (11/ 224) مع بعض التصرّف، وسأشير إليه لاحقا هكذا (لسان العرب) ،.وانظر: الرازي: محمد بن أبي بكر بن عبدالقادر، (ت 721) ، مختار الصحاح، جزء واحد، تحقيق: محمود خاطر، مكتبة لبنان ناشرون، بيروت، 1415 هـ - 1995 م. مادة: خول (81) ،وسأشير إليه لاحقا هكذا (مختار الصحاح) .
(3) الطبري: أبو جعفر، محمد بن جرير بن يزيد بن خالد، (224 - 310 هـ) ، تاريخ الأمم والملوك،5 أجزاء، ط 1، دار الكتب العلمية، بيروت، 1407 هـ. (1/ 232) ،وسأشير إليه لاحقا هكذا (تاريخ الطبري) .