المرسلين'' [1] ،وكان قدر الله أن يلتقطه آل فرعون، ثمّ يُحمل الوليد الصغير إلى القصور الفرعونية ليكون لهم عدوا وحزنا. فلمّا رأته امرأة فرعون طلبت أن تستبقيه عسى أن ينفعها أو يتخذوه ولدا وهم لا يشعرون، فقد ألقى الله على موسى محبة منه.
ترعرع موسى في قصور فرعون، ثمّ عقد الله له سببا أخرجه من بين أظهرهم؛ ذلك أنّه قتل قبطيا ردا على اعتدائه على من هو من شيعة موسى، فتمّت ملاحقته من قبل فرعون وجنوده فخرج من بلاده خائفا يترقب، ومكث سنين في أهل مدين، فتزوج من ابنة الرجل الصالح الذي دعاه لأخذ الأجر على ما سقى لابنتيه، (ورزقه الله النبوة والرسالة والتكليم، وبعثه إلى فرعون ليدعوه إلى الله تعالى ليعبده ويرجع إليه، هذا مع ما كان عليه فرعون من عظمة المملكة والسلطان، فجاءه برسالة الله تعالى وليس له وزير سوى أخيه هارون عليه السلام، فتمرد فرعون واستكبر وأخذته الحمية والنفس الخبيثة، وركب رأسه وتولى بركنه، وادعى ما ليس له، وافترى على الله وعتا وبغى، وأهان حزب الإيمان من بني إسرائيل، والله تعالى يحفظ رسوله موسى عليه السلام وأخاه هارون ويحوطهما بعنايته ويحرسهما بعينه التي لا تنام. ولم تزل المحاجة والمجادلة والآيات تقوم على يد موسى شيئا بعد شيء ومرة بعد مرة، مما يبهر العقول ويدهش الألباب، مما لا يقوم له شيء ولا يأتي به إلا من هو مؤيد من الله،''وما نريهم من آية إلا هي أكبر من أختها'' [2] ، وصمم فرعون وملؤه-قبحهم الله-على التكذيب بذلك كله والجحد والعناد والمكابرة) [3] .
و (لمّا طال مكث موسى بمواعيد فرعون الكاذبة، كلمّا جاء بآية وعده عندها أن يرسل معه بني إسرائيل، فإذا مضت أخلف موعده، وقال: هل يستطيع ربك أن يصنع غير هذا؟ فأرسل الله على قومه الطوفان والجراد والقمّل والضفادع والدم آيات مفصلات، كلّ ذلك يشكو إلى موسى ويطلب إليه أن يكفّها عنه ويواثقه على أن يرسل معه بني إسرائيل، فإذا كفّ ذلك أخلف موعده ونكث عهده، حتى أمر الله موسى بالخروج بقومه؛ فخرج بهم ليلا، فلمّا أصبح فرعون ورأى أنهم قد مضوا، أرسل في المدائن حاشرين فتبعه بجنود عظيمة كثيرة) [4] ،فكانت نهايته أن أغرقه الله وجنوده أجمعين، وأحلّ به بأسه الذي لا يرد، وتلك هي سنّة الله في الظالمين، يقول تعالى:''فكلا أخذنا بذنبه، فمنهم من أخذته الصيحة، ومنهم من خسفنا به الأرض، ومنهم من أغرقنا، وما كان الله ليظلمهم، ولكن كانوا أنفسهم يظلمون'' [5] .
(1) [القصص:7] .
(2) [الزخرف:48] .
(3) ابن كثير: أبو الفداء، إسماعيل بن عمر الدمشقي، (701 - 774 هـ) ، تفسير القرآن العظيم،4 أجزاء، دار الفكر، بيروت، 1401 هـ. (2/ 427 - 428) ،وسأشير إليه لاحقا هكذا (تفسير ابن كثير) .
(4) 8 المصدر السابق (3/ 152) .
(5) [العنكبوت:40] .