فهرس الكتاب

الصفحة 232 من 259

ثمّ هي تعيش في ظلّ أعتى شخصية، ولكنّها تحررت وصارت بإيمانها بالله في جنات النعيم [1] .لقد (انفصلت بباطنها عن بعلها طاعة لله وتوكلا عليه وخوفا منه فنجاها الله وأكرمها، ولم تضرها تلك الصلة الظاهرة بأخبث عبيد الله) [2] ،وفي هذا نسف لكل المبررات الواهية التي تُضخّم من شأن الطاغية وقوته وجبروته.

وهي لم تسأل الله أن يُنجّيها من نفس فرعون الخبيثة فقط، بل ومن عمله وكفره وعبادته غير الله تعالى وتعذيبه للنّاس وقتلهم بغير ذنب، وإلى غير ذلك من القبائح التي يرتكبها ذلك الأحمق [3] ؛ذلك أنّها حملت قضية ورسالة، وكفى بهذا رفعا لقدر المرأة في المفهوم القرآني.

إنّ امرأة فرعون مثال يُراد منه حَثُّ المؤمنين على الصبر في الشدة، وأن بإمكانهم-لو أرادوا-أن يتغلَّبوا على الظروف والأوضاع المحيطة بهم مهما كانت هذه الأوضاع صعبة وعسيرة، فليست هي بأصعب من تلك الظروف التي واجهتها امرأة منفردة، ولكنّهم بحاجة إلى الصبر والمصابرة كي يقفوا أمام فراعنة العصر، فنحن بحاجة إلى مواقف ولسنا بحاجة إلى كلمات مُنَمَّقَةٍ وخطابات مزخرفة، فتلك إجابة نظرية لا فائدة منها، ونحن نُريد إجابة عملية يرضى عنها الله سبحانه وتعالى.

وفي هذا المقام لا بدّ من التأكيد على حقيقة أنّ الإيمان باليوم الآخر من أهم العوامل في الثبات والصبر، وهذا ما يُرشد إليه قوله تعالى حكاية لقول امرأة فرعون:''رب ابن لي عندك بيتا في الجنّة'' [4] ؛ذلك أنّ الإنسان يشعر حين يصبر ويُضحي أنّ هناك أجر ينتظره عند الله في مقابل هذا الصبر.

فتمّ عليهم بصبرهم فضله ونعمه، وجعلهم أئمة دعاة إلى الخير، وولاة وملوكا، وجعلهم الوارثين لملك فرعون، ومكّن لهم في الأرض بعدما كانوا مستضعفين مقهورين مستعبدين، وأرى فرعون وقومه منهم ما كانوا يحذرون، وذلك أنهم أُخبروا أنّ هلاكهم على يد رجل من بني إسرائيل، فكانوا على وجل منهم فأراهم الله ما كانوا يحذرون، ودمّر الله ما كان يصنع فرعون وقومه وما كانوا يعرشون [5] ،يقول تعالى:''وتمّت كلمة ربك الحسنى على بني إسرائيل بما صبروا ودمّرنا ما كان يصنع فرعون وقومه وما كانوا يعرشون'' [6] ،أي (ومضت عليهم واتصلت بالإنجاز عدته إياهم بالنصرة والتمكين) [7] ،وهو قوله تعالى:''ونريد أن نمنّ على الذين استضعفوا في الأرض

(1) انظر: فتح القدير (5/ 256) .

(2) البرهان في علوم القرآن (1/ 416) مع بعض التصرف.

(3) انظر: روح المعاني (18/ 163) .

(4) [التحريم:11] .

(5) انظر: تفسير القرطبي (13/ 249) .

(6) [الأعراف:137] .

(7) تفسير البيضاوي (3/ 54) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت