تعالى:''وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا فانظر كيف كان عاقبة المفسدين'' [1] ؛ذلك أن جحود الحق فساد كبير يبدأ في النّفس ثمّ تظهر آثاره في واقع الحياة.
إنّ علوَّهم وظلمهم وإفسادهم علامة على انعدام التقوى في قلوبهم، يقول تعالى:''وإذ نادى ربك موسى أن ائت القوم الظالمين، قوم فرعون ألا يتقون'' [2] .أي ائت قوم فرعون الظالمين بالكفر واستعباد بني إسرائيل وذبح أولادهم، ألا يتقون عقاب الله على كفرهم به، فيطيعونه ويوحدونه، وذلك تعجيبا لهم من إفراطهم في الظلم واجترائهم عليه [3] ،ودلّ قوله:''ألا يتقون''على أنّهم لا يتقون، وعلى أنّه أمرهم بالتقوى.
ثالثا: الإجرام. فهم قوم اعتادوا ارتكاب الجرائم والذنوب [4] ،يقول تعالى:''ولقد فتنّا قبلهم قوم فرعون وجاءهم رسول كريم، أن أدّوا إليّ عباد الله إنّي لكم رسول أمين، وأن لا تعلوا على الله إنّي آتيكم بسلطان مبين، وإنّي عذت بربي وربكم أن ترجمون، وإن لم تؤمنوا لي فاعتزلون، فدعا ربّه أنّ هؤلاء قوم مجرمون'' [5] .والمعنى أنّه (دعا ربه-بعدما كذبوه-أنّ هؤلاء قوم مجرمون، وهو تعريض بالدعاء عليهم بذكر ما استوجبوه به، ولذلك سّماه دعاء) [6] ،أو (فيه حذف، أي فكفروا فدعا ربه أنّ هؤلاء قوم مجرمون أي مشركون، قد امتنعوا من إطلاق بني إسرائيل ومن الإيمان بالله) [7] .وكان ذلك بعدما (طال مقامه صلى الله عليه وسلم بين أظهرهم، وأقام حجج الله تعالى عليهم، كلّ ذلك وما زادهم ذلك إلا كفرا وعنادا، حينئذ دعا ربه عليهم دعوة نفذت فيهم) [8] .
لقد ساهم السحرة في انحراف فرعون وإظهار شخصيته، حيث كان الفراعنة يعتمدون في وثنيتهم على الكهنة والسحرة، بل نستطيع القول أنّ السحرة كانوا يمثلون المرتبة الأولى في طبقة الكهنة، في واقع انتشر فيه السحر إنتشارا واسعا [9] ،وممّا يؤيّد هذا (أنّ معجزة كل رسول موافقة للأغلب من أحوال عصره والشائع المنتشر في ناس دهره، لأنّ موسى عليه السلام حين بعث في عصر السحرة خص من فلق البحر يبسا وقلب العصا حية، ما بهر كل ساحر وأذل كل كافر) [10] .
(1) [النّمل:14] .
(2) [الشعراء: 10 - 11] .
(3) انظر: تفسير الطبري (19/ 64) وتفسير الواحدي (2/ 787) وتفسير البيضاوي (4/ 232 - 233) وتفسير الجلالين (1/ 480) .
(4) (الجريمة: الذنب) مختار الصحاح، مادة: جرم (43) .
(5) [الدخان:17 - 22] .
(6) تفسير البيضاوي (5/ 161) وانظر: تفسير أبي السعود (8/ 62) .
(7) تفسير القرطبي (16/ 136) وانظر: تفسير الثعالبي (4/ 137) .
(8) تفسير ابن كثير (4/ 142) وانظر: تفسير الطبري (25/ 120) وروح المعاني (25/ 122) .
(9) انظر: البداية والنّهاية (1/ 254) .
(10) الماوردي: أبو الحسن، علي بن محمد بن حبيب، (370 - 429 هـ) ،أعلام النبوة، جزء واحد، تحقيق: محمد المعتصم بالله البغدادي، ط 1،دار الكتاب العربي، بيروت،1987 م. (97) ،وسأشير إليه لاحقا هكذا (أعلام النّبوة) .